لم أكن أدري أن أحد أحلامي للسفر جنوبا في رحاب القارة السمراء سيتحقق لأول مرة عبر الوصول لأعلى قمة فيها. فلم يكن يستهويني عندما يعبر البعض عن أمنياتهم البعيدة في قضاء عطلة مرفهة في فرنسا أو سويسرا، أو البحث عن عمل في ألمانيا؛ فيما كنت أتساءل عن فرص السياحة في القارة الأم، أو اكتشاف غابات سيمبا 😅 في كينيا، أو الوصول لرأس الرجاء الصالح عبر عقد عمل في جنوب أفريقيا، أو زيارة العاصمة المثلثة ورؤية ملتقى النيلين في الخرطوم، وربما الوصول لمنابع النيل على بحيرتي تانا وفيكتوريا في الحبشة وأوغندا. لكن أحيانا تفاجئك الأقدار بأجمل مما كنت تتوق من أسفار.
جاءت تنزانيا في أعلى قائمة وجهاتي التالية فور أن اجتزت قمة توبقال الأطلسية بنجاح. خاصة أن بعض رفاق رحلة المغرب كانوا قد صعدوا جبل كلمينجارو بالفعل قبلها وكانت التجربة بالنسبة لهم أقل صعوبة رغم أن قمته هي الأعلى بالطبع، مما زادني تشجيعا على حماستي المسبقة لأعلى قمة أفريقية.
التحضير للرحلة هذه المرة كان أبسط بعض الشيئ، فلم أحتج للالتزام بجدول تمارين أسبوعي منتظم قبل شهور من السفر. فقد أصبحت خلال تلك الفترة عضوا في فريق العدو الجبلي (وعول الوادي Wadi Ibex) وخضت عددا من سباقات الألترا ماراثون كان آخرها تحدي الأربع قمم في سيناء قبيل الرحلة بأسابيع قليلة، والذي ينبغي عليك فيه أن تقطع مسافة 30 كيلو متر بإجمالي ارتفاع 2 كيلو متر خلال وقت أقل من 12 ساعة عبر صعود ونزول قمم أربع جبال في سيناء (كاترين وموسى وعباس وصفصافة). فكانت تدريبات الجري المنتظمة عاملا مساعدا في الاستعداد بجانب بعض تمارين القوة Strength Training المفيدة للعضلات، والتمارين الهوائية Cardio Training المفيدة للقلب وتنظيم استهلاك الأكسجين.
أما من ناحية المعدات فلم يكن هناك حاجة لأدوات خاصة (مثل crampons, gaiters, ice axe) كالتي احتجناها في المغرب، فالجبل تقنيا أسهل كما أن طبقات الثلوج أخف. لكني استخدمت عصي التسلق hiking sticks - كان لدي واحدة بالفعل واستلفت الثانية من أختي، حيث نصحنا قائد الرحلة بأهميتها وشرح لنا الطريقة الأمثل لاستخدامها بضبط طولها وزاوية إمساكها ومزامنة حركة اليدين و الرجلين؛ حيث أن توزيع الحمل على عضلات الذراعين أيضا خاصة أثناء الصعود يوفر من الطاقة واستهلاك الأكسجين. ولم أكن معتادا من قبل على اللجوء للعصا إلا في أحيان قليلة أستعير فيها مما تجود به الطبيعة من أفرع الأشجار التي نقابلها في الطريق، فأتكئ عليها أحيانا في بعض المطالع أو المنازل، ثم أتركها للطبيعة ثانية.
توقيت السفر كان في يوليو، ولأن تنزانيا تقع في نصف الكرة الأرضية الجنوبي تحت خط الاستواء، فإنه يمثل ذروة فصل الشتاء وموسم الجفاف لديهم، ولكن الحرارة لا تختلف كثيرا عبر الفصول هناك. أما الجبل فبالطبع له قول آخر، حيث تنخفض دون درجة التجمد بعشر درجات في المتوسط عند الاقتراب من القمة. لذا فإضافة لنظام طبقات الملابس الذي تعودت عليه من سفريات سانت كاترين الشتوية أو رحلة المغرب أو سفري قبلها لأوروبا، فقد احتجت لطبقة إضافية داخلية من الملابس الحرارية (Synthetic Thermals) التي تلتصق بالجسم لتحتفظ بحرارته وتمتص الرطوبة دون أن تبقى كثيرا مع التعرق فتبرد الجسم. كما احتجت أيضا لجوارب من صوف المارينو، حيث أن تجربتي لارتداء جوربين فوق بعضهما لم تسعف في الحفاظ على حرارة الأطراف من قبل. بالإضافة لتأجيري قفازات خارجية عازلة (بتصميم Mittens بدون أصابع) بخمس دولارات ليوم القمة لارتدائها فوق قفازاتي الصوف.
عوائق تدبير العملة الصعبة كانت أكثر هذه المرة، حيث لم تعد تعمل بطاقات الخصم المباشر البنكية مطلقا مع أي موقع دفع خارجي، وتم تقليل حد إنفاق بطاقات الائتمان أكثر، فتجزئة الدفع عبر استعارة كروت من الأصدقاء صارت معقدة ومثلها محاولة الحصول على دولارات من السوق السوداء. لكن لحسن الحظ فقد وجدت موقعا يقبل دفع تذاكر الطيران بالعملة المحلية فوفر لي عبء أحد بنود مصاريف الرحلة.
عند الحجز كنت قد تأخرت بعض الشيئ عن بقية المجموعة فلم أجد مكانا في رحلة الطيران التي حجزوها، وكان هذا من حظي أنا ورفيق سكندري آخر. فقد حجزنا رحلة أخرى في نفس اليوم مع تغيير في توقيتات الترانزيت، وكان هذا على الخطوط الإثيوبية التي كان أوفر بعض الشيء من البديل الآخر على الخطوط القطرية، حيث لا يوجد أي رحلات مباشرة بين القاهرة وتنزانيا. أما حدث مع الآخرين فقد كان أمرا مزريا بحق! لم تتأخر الطائرة كثيرا في موعد الإقلاع، أما عند الهبوط فقط ظلت عالقة كثيرا في الهواء لحين تحسن الأحوال الجوية المطيرة، في حين أن الوقت البيني للترانزيت لرحلتهم التالية من أديس أبابا ساعة واحدة فقط! فما إن خرجوا بسلام بعد تعطل كبيرـ كانت قد فاتتهم الرحلة الثانية بالفعل. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا، فبعد التحدث مع مكتب الطيران في المطار وشركة السياحة المحلية التي حجزنا منها أيضا استطاعوا أخيرا أن يجدوا أماكن في رحلات بديلة تالية بتكلفة إضافية! أما الأسوأ فلم يأت بعد، وهو أمر الحقائب التي لم يستلموها لأنها كان من المفترض أن يتم شحنها تلقائيا على الطائرة الفائتة، وبعد عدة توكيدات على خط السير الجديد للرحلات البديلة التي حجزوها حتى يتم إرسال الأمتعة عليها فوجئوا بعدم وصول الحقائب في النهاية لمحطة الوصول الأخيرة في مطار كليمنجارو. وبعد اتصالات عديدة كانت المفاجأة الأسوا بعد تتبع الحقائب، حيث اكتشفوا أنها ضلت طريقها لتذهب في رحلات (وليس رحلة واحدة) أخرى لمطارات مختلفة في كينيا وأوغندا! خمس حقائب نالت حريتها من أصحابها وقررت أن تجوب أنحاء أفريقيا بمفردها بعض الشيء! وعدت شركة الطيران أن تصل الحقائب إلى الفندق صباح اليوم الثاني قبيل تحركنا لبدء الرحلة إلى الجبل، لكن هيهات! بدأ الشك يساور البعض من إمكانية صعود الجبل بمزيج من القلق وفتور الحماس بسبب فقدان جميع المعدات والملابس الثقيلة وكل ما يلزم لإتمام المهمة، ولكن ما زال هناك بصيص من الأمل في أن تصل في اليوم الذي يليه ويقوم أحدهم بإيصالها لنا من الفندق إلى مخيم مبيت اليوم الأول؛ فيما مررنا على محل لاستئجار أمتعة بديلة وتبرع كل من لديه فائض حاجة إضافية بحاجته (حذاء، معطف، جورب، منامة.. إلخ) للبقية المغدورة والتي كان منهم قائد المجموعة أيضا والذي اضطر في النهاية للبقاء في آخر يوم قبيل القمة بعد أن تبرع ببعض حاجياته - التي من حسن الحظ كانت معه في الشنطة الصغيرة على الطائرة - للبقية. وعلمنا فيما بعد أن الحقائب وصلت بسلام من جولتها السياحية المنفردة بعد ثلاثة أيام كاملين؛ ولم تفلح محاولات الرفاق في الحصول على أي تعويضات على هذه الكوارث من شركة الطيران البائسة!
استغرقنا قرابة الساعة وقد تحركنا وقت المغرب فدخل الظلام علينا أثناء الطريق فلم نتبين الكثير من معالم المدينة سوى كثرة الأشجار على الجانبين. وصلنا موشي أخيرة وهي أكبر بلدة وعاصمة إقليم كليمنجارو، وتقع جنوب متنزه وجبل كليمنجارو الوطني. كنت أنوي التجول قليلا واستكشاف البلدة بعد وضع الأمتعة في الفندق، ولكن معظم المحال تغلق مبكرا حتى تنام المدينة كاملة قرابة العاشرة ليلا، اللهم إلا من بعض الكنائس التي كنا نسمع تراتيل بعيدة قادمة منها في وقت متأخر. وكان من الملاحظ كثرة الكنائس على الطريق بكثافة ظاهرة من تأثير الاحتلال الإنجليزي ومحاولة تغيير التوزيع الديمغرافي للسكان، رغم أنها دولة إسلامية وتحكمها حالية رئيسة مسلمة محجبة أيضا - يسمونها ماما سامية ويلقبونها برئيسة الصدفة، لأنها كانت نائبة الرئيس السابق - وكان مسيحيا - ثم تولت مكانه عند وفاته قبل انتهاء فترته.
انبهرت موظفة الاستقبال حين رأتني مرتديا فانلة مكتوب عليها "سيناء" - من تحدي الجبال السابق - وأخبرتني بحماس أنها تعرف عنها جيدا من المدرسة... تجولت في الفندق قليلا واستخدمت حمام أحد الرفاق في غرفة مجاورة بعد أن اكتشفت أن حمام غرفتنا لا يوجد به شطافة - كحال بعد فنادق البحر الأحمر لدينا التي تسير على معايير غربية دون اعتبار لثقافة البلد! وحتى لم أجد في قائمة الطعام للعشاء اختيارات محلية، فطلبت وجبة سمك تجنبا لأي شبهة في الأطباق الأخرى حيث كان بالقائمة كحوليات ومأكولات قد تطهى بالنبيذ.
استيقظنا مبكرا لنتناول الإفطار ونحزم أمتعتنا استعدادا للانطلاق وبدء رحلة الستة أيام في رحاب الجبل. كنا مجموعة من 12 مغامر نصفهم مصريين ونصفهم هنود وإيطالية، متوسط أعمارنا في الأربعينات فيما عدا ثلاثة، اثنان في العشرينات منهم الإيطالية التي كانت الرحلة هي هدية عيد ميلادها، أما الثالث فكان أصغرنا طالب الثانوي الذي جاء مع والده وكانا ثنائيا جميلا رائعا، وللمفاجأة كان هذا ثاني جبل لهما مباشرة بعد سانت كاترين! فيما البقية كان لديهم خبرات جبلية كثيرة سابقة سواء في سيناء أو الهيمالايا أو الألب، وحتى الهنود الذي يعيشون حاليا في الإمارات أو الكويت أو إنجلترا لهم تجارب سفر جبلية كثيرة. أنهينا استعداداتنا والتقطنا صورة جماعية قبل أن نستقل الحافلة ليصحبنا ريتشارد إلى سوق المدينة أولا لتغيير العملة وتأجير المعدات قبل موعدنا بعد ساعة مع بوابة مارانجو حيث نقطة انطلاقنا من بين ستة أو سبعة بدائل أخرى للمسير في الجبل.
تعدد الدروب كان أمرا جديدا ومذهلا بالنسبة لي، وهو أهم ما يميز الجبال البركانية مثل كيلي و فوجي، حيث تتشكل في صورة مخروطية معتدلة الميل دون زوايا حادة، وتتخذ صورة متفردة كجبال قائمة بذاتها، فيسهل التحرك فيها للقمة غالبا من أي جهة تقريبا بمشي عادي على القدمين دون الحاجة لمهارات أو معدات تسلق خاصة. بينما الجبال التي تتكون بفعل حركة صفائح الأرض التكتونية إما اصطداما كجبال الهيمالايا وقمته إفرست أو جبال أطلس أو الأنديز، وإما تصدعا كجبال البحر الأحمر وسيناء التي تشكلت بانفصال قارتي آسيا وأفريقيا - فإن هذه الحركة تسبب تكوين سلاسل جبلية ممتدة بأشكال مختلفة وزوايا حادة مما يقلل فرص وجود دروب ممهدة للوصول إلى قممها.
أشهر مسارين في كيلي هما درب مارانجو ودرب ماشامي. كلاهما يبدأ من الجهة الجنوبية من سفح الجبل. الأول الذي سلكناه هو الدرب الوحيد الذي يوفر استراحات مبيت في أكواخ مجهزة في كل محطة من الطريق، لكن يعيبه أن مسار الصعود هو نفسه مسار النزول فلا يتاح لك فرصة المرور بمناظر ومشاهد مختلفة أثناء العودة، لكنه الأكثر سهولة وشعبية لذا يسمونه طريق الكوكاكولا. بينما درب ماشامي يطلقون عليه طريق الويسكي لصعوبته النسبية ولحاجتك للتخييم في كل محطة، حيث يكون النوم في حرارة منخفضة في العراء صعبا مهما كانت خيمتك عازلة - خاصة إذا اشتدت الرياح ليلا. هناك مسار أومبوي من جهة الجنوب أيضا بين مارانجو شرقا و ماشامي غربا لكنه أكثر صعوبة وأقل شهرة لأن ميل الصعود فيه حاد أكثر لكنه الأقصر فيستغرق حوالي خمسة أيام. في المقابل يبدأ درب رونجاي من الجهة الشمالية قرب الحدود الكينية ويقطع الطريق طوليا حتى القمة ثم يكمل جنوبا لينتهي عند بوابة مارانجو، وهو الدرب الوحيد الذي يتشارك مع مسار مارانجو في طريق العودة، بينما الدروب الأخرى تنهي رحلتها عبر مسار مويكا المخصص للنزول فقط وبوابة خروجه جهة الجنوب أيضا. أما الجهة الغربية فيبدأ منها مساران آخران هما درب ليموشو الذي يعد الأكثر جمالا في تنوع المناظر طوال الطريق، و درب شيرا الذي يبدأ من هضبة أعلى ارتفاعا بعض الشيء من سفح الجبل لتوفير يوم في الرحلة من حيث الوقت والتكلفة، لكنه غير مناسب لمن يحتاج وقت أطول للتأقلم مع المرتفعات؛ ومن يبدأ من الغرب عادة ما يقيم في مدينة أروشا الأقرب والأكثر حيوية أيضا من بلدة موشي، كما أنها أقرب للمحميات الطبيعية في تنزانيا لمن يود أن يكمل جولته بعد الجبل، غير أنها الأقرب أيضا لجبل ميرو، ثاني أعلى جبل في البلد والأكثر تميزا في إمكانية رؤية الحيوانات والحياة البرية مقارنة بكيليمنجارو وربما يكون هو وجهتي القادمة يوما ما مع زيارة أخرى لزنجبار أيضا. أخيرا هناك مسار سابع جديد يسمى درب الدائرة الشمالية يبدأ من الغرب أيضا ويشترك في جزء منه مع ليموشو، لكنه يكمل بعد القمة في مسار دائري حول المخروط البركاني قبل النزول، لذا فإنه يستغرق وقتا أطول يصل إلى تسعة أيام.
حين وصلنا عند بوابة مارانجو كان الأدلة في انتظارنا؛ كان معنا حقيبة ظهر صغيرة بها مياه ومستلزمات خفيفة، بينما تركنا الحقائب الكبيرة ليأخذها الحمالين فيما بعد. نعم لا يوجد هنا حيوانات مسخرة للنقل للأسف، فلا جمال سيناء ولا بغال أطلس - ما زالت العمالة البشرية هي الأرخص في مهن مازالت كما هي منذ قرون. كنت أظن أنهم بالضرورة يتيمزون ببنية جسدية صحية قوية وطول وعضلات وشباب، لكني رأيت حمالين من مختلف الأعمار والأحجام وحتى أن بعضا منهم سيدات أيضا؛ يحملون الأمتعة أو المعدات أو الطعام على رؤوسهم أو ظهورهم ويتحركون بخفة ورشاقة وسرعة لم أستطع حتى أن أجاريهم فيها حين حاولت أن أسرع قليلا أثناء النزول في اليوم قبل الأخير وأنا عداء متمرس، بينما كانت مشيتهم السريعة أسبق مني.
كان علينا عند البوابة أو نوقع في سجل الدخول باسم كل منا ورقم الباسبور والعمر واسم المجموعة واسم المشرف، وسنقوم بنفس الإجراء عند كل محطة في المخيمات التالية خلال الطريق. في المدخل يوجد بعض اللافتات التوثيقية لقصة أول صعود للجبل وتخليد ذكرى أول مغامر أوروبي وأول دليل تنزاني، بالإضافة لبعض التعليمات التحذيرية التي ستتكرر عبر الطريق من عدم إلقاء نفايات، وعدم إشعال نار، وتقديم السلامة أولا والنصح بالنزول عند التعب. كان هناك تفتيش سريع عند الدخول حيث طلبوا من أحد الرفاق التخلص من زجاجة مياه بلاستيكية معه، فيما كان معي زجاجتين صغيرتين أحدهما قارورة تحتلفظ بالحرارة (حتى لا يتجمد الماء) والأخرى بلاستيكية عادية لكن لم يلحظوها بجوار الجاكت الخفيف داخل الشنطة.
بدأنا التحرك في أجواء صيفية استوائية معتدلة وسط غابات مدارية عالية الأشجار تلقي ظلالا ورافة طوال الطريق فلا نكاد نشعر بالشمس مطلقا. التقطت الكثير من الصور في هذا اليوم لكل شجرة ونبتة وزهرة وجدول ماء وشلال - حيث كنت منبهرا بشدة لأول تجربة لي في غابة، بينما يشعرني الرفاق الهنود أن هذا أمرا عاديا جدا لديهم لا يستحق كل هذه الدهشة، مما ذكرني برفيقة كورية في أحد رحلات سانت كاترين والتي كانت منبهرة باتساع الصحراء الصفراء القاحلة ومناظر الجبال الصخرية الوعرة، حيث أن هذا أمرا نادرا بالنسبة لها وسط اعتياد المروج والجبال الخضراء! طفقت أتملى من كل تفصيلة وودت لو أبطأنا أكثر وأكثر لأتعرف على أنواع الزهور والنباتات وأتنسم عبقها، وأستشعر رائحة الأجواء المطيرة وملمس أوراق الأشجار الندية؛ وكان صديقي الهندي مجيب يعرفني كل نوع نقابله من أزهار الليليوم و السوسن و الأوركيد وغيرها، لكن الأشكال والأسماء اختلطت عليّ فلم أحفظها عنه.
كان اليوم الأول سهلا، حيث استغرقنا حوالي خمس ساعات ونصف لنقطع مسافة ثمانية كيلومترات من نقطة البداية عند ارتفاع 1800 متر حتى نصل إلى ارتفاع 2700 متر عند أول محطة في مخيم مندرة، تخللتها استراحة للغداء قبيل العصر. كان الطريق موحلا قليلا في بعض الأجزاء مع مطر استوائي خفيف قرب نهاية اليوم - رغم أننا في موسم الجفاف، لكنه طين خفيف قد يزلق بعض الشيء خاصة أني كنت أرتدي صندلا في هذا اليوم، لكن لا تغوص قدمك كثيرا في الوحل. فقط شعرت بدوخة خفيفة لبضع دقائق في الساعة الثانية ربما لأني أسرعت الخطى أكثر من اللازم حين كنت أتأخر للاستغراق في التصوير ثم أسرع للحاق بهم، رغم مرافقة الدليل ليفينجستون لي (يبدو اسما شاعريا - الصخرة الحية/المعمرة!) حيث ينتظر في نهاية الركب مع آخر فرد في المجموعة، فيما يقود ريتشارد في الأمام ويبقى دليلان أو ثلاثة في المنتصف، ويحرصون جميعا على أن يذكّرونك كل فترة: بولي بولي.
قمنا بالتوقيع في الدفتر فور وصولنا مأوى مندرة وكانت الشمس قد قاربت على الغروب - حيث أننا لم نتحرك في اليوم الأول إلا بعد الظهيرة، نظرا لاستغراق وقت في المرور على سوق المدينة ومحل إيجار المعدات. كانت أمتعتنا قد وصلت قبلنا بفضل الحمالين الذين تحركوا بعدنا، فأخذ كل منها حقيبته ومن ثم توجهنا للأكواخ المخصصة لنا. معظم المعكسرات أو الملاجئ التي سنأوي إليها للمبيت في كل محطة تتكون من عدد من الأكواخ الخشبية المقسمة إلى حجرات، وكان هذا جميلا ومفاجئا. حيث كان التوقع أننا سنكون ثمانية أشخاص على الأقل في المهجع الواحد، لكن الحجرة كانت دائما صغيرة تكفي أربعة بسريرين منفصلين من طابقين - وليست هناجر كبيرة بأسرة ملتصقة مثل تجربة توبقال. المفاجأة السارة الثانية أن الحمامات المشتركة أمام كل مجموعة من الأكواخ كان بها مراحيض عادية ونظيفة وبها شطافة أو خرطوم أيضا! وطبعا يتوفر بها مياه دائما حتى وإن كانت ضعيفة أحيانا، وكل هذا قدر كبير من الرفاهية لا يتمتع به من يسلك المسارات الأخرى التي تتطلب تخييما واعتمادا أكثر على الذات - أو على الحمالين الذين يحملون ويجهزون لهم حمامات متنقلة ويجلبون لهم المياه من الينابيع المحيطة! مياه الصنابير لم تكن للشرب، فقد كان أحد الأدلة يأخذ القوارير منا لملئها بمياه عذبة وإعادتها إلينا، وكان عليه أن يخفي زجاجتي البلاستيكية عند ملئها أو يتركها لأملأها أنا من القارورة الأخرى وأعيدها له لإعادة ملئها حتى لا يتم تسجيل أي مخالفة من إدارة المحمية. كان الأدلة يشربون من أي نبع أو شلال نمر عليه في الطريق، لكنهم نصحونا بعدم فعل ذلك مثلهم فربما لا تتحمل معدتنا، والأفضل أن يتم غليها أولا أو نأخذ من المياه المفلترة التي يحملونها معهم.
ارتحنا قليلا ثم توجهنا إلى الصالة الكبيرة للعشاء. كان هناك تنوع كبير في المأكولات والمشروبات كل يوم، لكن هناك بعض الأطباق الثابتة مثل طبق لا أذكر اسمه يشبه البليلة المصرية في الإفطار، والحساء الساخن قبل العشاء. وكان أكثر ما يميز المائدة هو وفرة الفاكهة، فلديهم تقريبا كل أصناف الشتاء والصيف، كالبرتقال و الأناناس والمانجو والبطيخ والقرع والباشون فروت وغيرها. لكن أكثر فاكهة رأيتها مستخدمة في أطباقهم هي الباباز / الباباي، فتؤكل كفاكهة مستقلة أو تستخدم في الطبيخ، وكانت مميزة ولذيذة جدا في السلطة أيضا. كما أن لديهم نوعين من الموز أحدهما صغير من ضمن الفاكهة، والآخر كبير يطهى أو يقلى لكنه لم يعجبني، مثلما لم تعجبني المانجو كثيرا مقارنة بالأنواع المصرية، لكنها على الأقل أفضل من نظيرتها في الهند حيث يجعولنها مع المخللات من قلة السكر بها. كانت الوجبات عامة تكفي وتفيض، لدرجة أن التسالي البينية في الطريق لشحن الطاقة لم نكن نستهلكها وصرت أوزع منها على الرفاق كلما حانت فرصة، حتى أطلق علي أحدهم لقب البقالة المتحركة. فقد كنت أحمل معي النوجا التي أعجبتهم جدا وأول ما نفد من مخرون، ثم الفول السوداني المملح، ثم مزيج الفول السوداني مع الزبيب، وأخيرا التمر الذي بقيت منه علبة كاملة بحالها تقريبا.
بتنا ليلتنا واستيقظنا مبكرا للانطلاق وإكمال المسير لليوم الثاني. عند الثامنة صباح كنا مستعدين للتحرك، وكان الجو ربيعيا أو خريفيا منعشا. احتجت في البداية لارتداء الجاكت الخفيف بعض الوقت فوق فانلة صيفية، وطبعا تخليت عن البنطال القصير (الشورت) والصندل الذين ارتديتهما في اليوم الأول، كما أخذت معي العصا للتدرب على استخدامها قليلا. بعد أقل من ساعة من المشي كانت تختفي معالم الغابة الاستوائية بالتدريج، ما زال حولنا زرع و أشجار - لكنها أقصر و أصغر حجما وأقل كثافة. ليس هناك ما يلقي ظلالا ويحجب الشمس، لكنها لم تظهر لسبب آخر وهو الضباب وبخار الماء الكثيف في الجو. في منتصف اليوم هطلت الأمطار بغزارة لفترة قصيرة ولم أكن مستعدا لذلك، لكن الأدلة دائما جاهزين حيث أعطاني ريتشارد سترة مطر بلاستيكية لارتدائها فوق الملابس وفوق حقيبة الظهر أيضا حتى لا تغرق بالماء.
بعد سبع ساعات ونصف سنكون قد قطعنا 12 كيلو متر وصعدنا 1150 متر إضافية لنصل لمحطتنا التالية في مخيم هورومبو على ارتفاع 3700 متر فوق السحاب. نعم فوق السحاب حرفيا، فالسحب التي كانت تهطل أمطارها علينا منذ ساعات صارت تحتنا تغرق من لا زالوا بالأسفل، أما نحن فقد تجاوزناها خلال مسيرنا وسط ضباب كثيف لا نكاد نرى فيه أمتار قليلة أمامنا حتى عبرنا مستوى السحب وصرنا نرى الشمس الساطعة بجوارها طبقة أخرى من السحب الأخف والأقل كثافة. كان الوقت عصرا والجو ما زال منعشا في برودة محتملة يخففها سطوع الشمس، لكن الحرارة ستنخفض بعد الغروب حتى تصل إلى ثلاث درجات وربما أقل قبيل الفجر، وسيكون الذهاب للحمام ليلا مهمة شاقة في هذا الصقيع، أما الوضوء فسيكون علينا أن ننتظر قبيل الشروق حين يحضرون لنا مياه دافئة في أطباق بلاستيكية أمام أكواخنا للنظافة الشخصية. وكان عجيبا أن نصادف رفاقا من مجموعة أخرى كويتين يبيتون في خيام متنقلة يتحركون بها في كل محطة ولم يحجزوا في الأكواخ المجهزة، لكن بالطبع كان معهم طاقم خدمة كبير، حتى أنهم كانوا ينصبون خيمة مخصوصة للصلاة تشاركنا معهم فيها حين كان هناك القليل من المطر.
لن نكمل المسير في طريقنا في اليوم الثالث، بل سيكون يوما للتأقلم والتكيف مع الارتفاعات العالية، حيث صعدنا إلى هضبة ماونزي - التي تسمى السرج Mawenzi Saddle - على ارتفاع حوالي 4200 متر ثم عدنا أدراجنا إلى هورومبو ثانية في خمس ساعات. الهدف هو أن يتعود الجسم على نقص الأكسجين في مكان مرتفع ثم تبيت في مكان منخفض ليأخذ الجسم وقته في التكيف عند تكرار تجربة الارتفاع لاحقا. هناك حيلة أخرى للتأقلم قمنا بها وهي تناول أقراص دياموكس (سيدامكس) وهي حبوب تستخدم بالأساس لعلاج المياه الزرقاء وتقليل ضغط العين، لكن من آثارها إدرار البول وتغيير معدل حموضة الدم التي توحي للمخ بنقص الأكسجين وزيادة ثاني أكسيد الكربون، فيعطي إشارة للجسم لزيادة معدل التنفس لتعويض هذا الأكسجين، وهو بالضبط ما تحتاجه في الأماكن الشاهقة للوقاية من داء المرتفعات وتكيف الجسم. كانت الجرعة نصف قرص صباحا ومساءا بدءا من أول يوم في الصعود وحتى يوم القمة، لم أشعر معها بتغير ملحوظ في معدل الحاجة لدخول الحمام أو زيادة البول إلا بالقدر العادي الذي يحدث مع برودة الجو؛ وربما لم أعمل بالنصيحة التي توصي بشرب الماء كثيرا كما ينغي. عند وصولنا لأعلى نقطة في الطريق قبل العودة جربنا قياس نسبة الأكسجين في الدم للاطمئنان بجهاز لدى رفيقة هندية تعمل طبيبة، فيما اكتفيت بمراجعة بيانات الساعة الذكية رغم عدم دقتها بالمقارنة بالجهاز. التقطنا صورا عند صخرة مميزة في الهضبة بشكل مخطط كألوان الحمار الوحشي ثم قفلنا عائدين.
بدأ اليوم الرابع ونحن نودع هورومبو مؤقتا، حيث سنعود إليه مرة ثالثة لاحقا وانطلقنا في السابعة والنصف صباحا لنكمل مسيرنا. ما زالت المروج الخضراء تحيطنا، لكن معظمها من العشب وحشائش السافانا و نبتات وشجيرات قصيرة، ومع الوقت يقل الخضار والحياة ويبدأ جدب الصحراء في الزحف مع طبيعة صخرية للدرب كلما صعدنا أكثر. ومع الصعود تتحول الأجواء لتصير شتوية أكثر - حتى مع الشمس فنضطر لارتداء طبقات إضافية مما كنا نحنتفظ بها في حقيبة الظهر، فاستبدلت قبعة الشمس بقبعة الصوف، ومع شدة الريح احتجت لتلفيحة أو قناع وجه حتى لا يدخل الهواء البارد للجهاز التنفسي مباشرة. صعدنا حوالي ألف متر إضافية في تسع ساعات ونصف قطعنا فيها مسافة عشر كيلو مترات تقريبا لنصل إلى معسكرنا الأخير في مخيم كيبو على ارتفاع 4700 متر.
يقع المخيم أسفل بداية قمة كيبو، وهي عبارة عن مخروط بركاني تقع القمة في أعلى فوهته، ويمثل واحد من ثلاثة قمم للبركان القديم وأحدثها - حيث خمدت منذ مئات الآلاف من السنين. بينما القمة الأقدم والأقصر تسمى شيرا وتقع في الغرب ويقدر عمرها بملايين السنين، والوسطى هي مخروط ماونزي والتي يفصل بينها وبين مخروط كيبو هضبة واسعة لذا يسمونها السرج، ويتطلب صعود قمة ماونزي بداية من هذا السرج مهارات تقنية عالية في تسلق الجبال وليس بسهولة قمة كيبو الأعلى. وبالإضافة للقم الثلاث يعج الجبل بالكثير من الفوهات البركانية الصغيرة على ارتفاعات مختلفة يفوق عددها المائتين.
لم يكن الطريق إلى كيبو ممتعا، فمع تغير الجو بدأ الشك يتسلل لبعض الرفاق الذين فقدوا أمتعتهم عما إذا كانت المعدات التي أجروها ستؤدي الغرض أم أن عليهم الاكتفاء بهذه المرحلة والعودة. كما أن الأجواء المحيطة لم تكن مبشرة حين كنا نلمح مهبط طائرات هليوكوبتر بعيد تتحرك منه أو إليه طائرة كل فترة ونتساءل ما إذا كان حدث لأحد مكروه في الطريق وجاء الإسعاف الطائر لينقذه. بينما في المقابل بعث في نفوسنا التفاؤل لقاء اثنين من الدارجين يسلكون الدرب بالدراجات الجبلية، حيث أن الصعود بالدراجة أشق بكثير من الصعود على الأقدام. هذا غير لقائنا بمجموعة أخرى من المغامرين الهنود كلهم حماسة وإقبال التقطنا الصور معهم وصدح بعضهم بالأهازيج في جماعة.
كان الوقت قصيرا بعد وصولنا إلى كيبو، حيث كان علينا أن نتناول الطعام وننام مبكرا جدا حتى نستيقظ للتحرك لليوم الكبير إلى القمة قبل منتصف الليل. بل إن اثنين من الرفاق الهنود تقرر أن يتحركوا قبلنا في الحادية عشرة حتى لا يضطروا للإسراع لأن خطوتهم أبطأ، وقد كان من المفترض أن نمشي جميعا في صف على خطوة أبطأنا، ولكن بذلك المعدل ربما نتأخر جميعا. رفضت ساعتي البيولوجية أن تستجيب لمحاولات النوم في غير موعدها، وحين بدأت الاستغراق في النوم أصابني القلق مرة أخرى من حركة رفيقي الذي يستعد كي يتحرك مبكرا قبلنا، والذي بدوره لم يتسطع أن ينم جيدا أيضا.
تجهزنا بكافة طبقات الملابس التي لدينا ووضعنا كشافات الرأس وبدأنا في التحرك دون تأخر عند منتصف الليل. كانت "بولي بولي" شعارنا بشكل مبالغ فيه بعد أن اصطففنا بترتيب الأبطأ في المقدمة والأسرع في المؤخرة، وكان ريتشارد حريصا على التأني زيادة عن اللزوم في كل خطوة لأن قائد المجموعة ليس معنا بعد أن أعار ما بقي من معداته لبعض الرفاق وقرر أن ينتظرنا في كيبو. كنا نتوقف كل فترة لتناول مشروب ساخن أو بعض البسكويت أو ثمرة فاكهة، وحين كنت أغفو قليلا رغما عني أثناء الانتظار أجد أحد الأدلة يوقطني قلقا من أن أتأثر أثناء النوم إما من البرودة أو نقص الأكسجين؛ فكنت أقول في نفسي "أين أنت الآن يا ريتشارد؟ - حين كان يطمئن علينا كل صباح قائلا (did you sleep like a baby?) لأقول له لا، دعهم يتركوني قليلا. عند الفجر سنقابل رفيقي الذي بدأ مبكرا وهو عائد بصحبة دليل بعد أن شعر بالتعب خاصة أنه مصاب بالسكري والضغط ولم تكن القياسات جيدة، ثم بعدها بساعة سنقابل الرفيقة الأخرى وهي عائدة هي الأخرى حيث لم تطمئن لقياسات الأكسجين، مما زاد القلق عند المجموعة وكان الأدلة ما يأخذون بالأحوط دائما وهو قرار الرجوع دون محاولة تشجيع أو بث الروح التي تناسب كل فرد وحالته.
مع الشروق وانقشاع الظلام بدأت معالم الدرب في الظهور وقد اختفت كل مظاهر الحياة والعشب الأخضر من حولنا ولم يبق إلا الصحراء الصخرية القاحلة تكسوها الثلوج البيضاء في الأفق، فكأنك في كل يوم تنتقل ليس فقط بين فصول السنة في طقس مختلف، ولكن أيضا تنتقل بيئيا بين حيوات وبيئات مختلفة من استوائية في الأسفل وحتى القطبية في الأعلى، وما بينها مستويات عدة من الكائنات الحية و النباتات التي تلائم كل بيئة. فقابلنا القردة والنسانيس في الأسفل، ثم الطيور كالغراب الكبير Raven في المنتصف حتى هورمبو، ثم الفئران الجبلية المخططة في كيبو، ثم لا حياة مطلقا إلا من بعض المختلين من بني البشر أمثالنا الذين يجوبون الفيافي الجرداء والصحراوات الجليدية ليحققون إنجازا لا يقدره أحد!
و أخيرا عند الحادية عشرة ها قد وصلنا إلى سقف أفريقيا، قمة أوهورو - أعلى نقطة في الجبل والقارة كلها وذروة حافة فوهة مخروط كيبو على ارتفاع 5900 متر 🥳🤩 كانت الشمس ساطعة منذ الصباح، ورغم أن درجة الحرارة -7 إلا أني بدأت أضيق من الطبقة الحرارية التي كانت تدفئني في الليل، كما كنا محظوظين بعدم هبوب رياح تزيد شعور الصقيع وسط الصحراء المفتوحة والحرارة المنخفضة تحت الصفر. كانت القمة مكتظة بفوج من الطلبة الآسيويين الذين لا يكفون عن التصوير أفرادا ومجموعات لعمل مجموعة من الفيديوهات القصيرة بحركات مختلفة لنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. بعد أن طال انتظارنا طلب منهم الدليل أن يفسحوا المجال قليلا حتى التقطنا صورنا بعد أن استرحنا واستعاد الرفاق طاقتهم.
بعد نصف ساعة بدأنا التحرك للعودة، وكانت لدينا الفرصة للتأمل أكثر في الطريق مع سهولة النزول وملاحظة المشاهد التي مررنا عليها أثناء الصعود دون تركيز، مثل منظر تلاقي السحب مع الثلوج، أو تكوينات النهر الجليدي الذي كان بمحاذاتنا، لكن لم يتسنى لنا الوقت للتوقف قليلا واللعب بالثلج.
بعد أن اطمأننت على رفيقيّ قررت أن أسرع الخطى في النزول وأتركهما بصحبة الأدلة كل حسب سرعته، فالطريق سهل وواضح، وربما إن احتجت شيئا سأجلس وأنتظر حتى يمرون عليّ. أكملت مسيري حتى وصلت كيبو في استراحة قصيرة للحمام وتناول الطعام. كنت أود أن أترك المعطف الثقيل في الحقيبة الكبيرة، لكن الحمالين كانوا قد أخذوا الأمتعة بالفعل وتحركوا مع بقية المجموعة الذين وصلوا مبكرا ولم يكملوا معنا، فتركته مع قائد المجموعة الذي كانت ينتظرنا حتى يطمئن على وصول الجميع. استكملت المسير مرة أخرى في اتجاه هورومبو التي سنبيت فيها ليلتنا الثالثة والأخيرة، ولكن الوقت بدأ يتأخر. قبيل الغروب مر بي أحد الأدلة أو الحمالين من مجموعة أخرى وسألني إذا كنت أحتاج أي مساعدة، فشكرته؛ قال لي هل معك كشاف، فأجبت بنعم. الحقيقة أن كشاف الرأس كانت بطاريته ضعيفة كما اكتشفت أن به سلكا مهزوزا بسبب رطمة سابقة جعلت إضاءته مهتزة ثم تنطفئ فجأة، ولأننا كنا نسير في صف ليلا فاعتمدت طوال الوقت على إضاءة الرفاق. لم أقدر الوقت جيدا وقلت ان ما بقي قليل وسيكفيني بقايا ضوء النهار قبل دخول الغسق وطغيان الظلام. كان الضوء يخفت رويدا رويدا، وعيناي تتأقلمان مع ذلك بالتدريج، في نفس الوقت بدأت تهطل بعض الأمطار قليلا، ومع قلة النور صرت أتبين طريقي بالكاد وأدور وأتحرك مع انعطافاته وأنا لا أكاد أرى موطئ قدمي. مع شيوع العتمة بدأت أرى خيالات من حولي، وأتوهم أن الطريق الذي أمشي كأنه مجرى مائي، والصخور الكبيرة من حولي كأنها مباني ضخمة...ثم ألمح من بعيد انعكاسات إضاءة أحد المارة على شجرة أو صخرة فأقول ها هو المعسكر قد اقترب، هذا يشبه شكل الكوخ أو الخيمة التي نصبها أحدهم بجواره. دوامة من التوهمات والخداعات البصرية وحديث النفس حتى مر بي دليل آخر ودون أن يسألني شيئا أعطى لي مصباحه فورا، والذي كان كشاف يد لكن إضاءته ضعيفة بعض الشيء. شكرته كثيرا وبدأت أتبين ملامح الطريق وأضحك على نفسي مما كان يرسمه لي ذهني من خيالات تصور الأشياء المحيطة حولي بعالم من الفانتازيا. سار معي الدليل قليلا ثم صار يسيقني حتى لقي رفيق آخر له، فانتظراني حتى لحقتهما وأعطاني رفيقه كشاف رأسه الذي كانت إضاءته أقوى بكثير وهنا شعرت وكأني كنت أعمى والآن أبصر. اتضحت معالم كل شيء بالألوان الطبيعية, والرذاذ العالق من الأمطار الذي كان يكون شبورة تحجب الرؤية مع الكشاف الضعيف صار الضوء يخترقها وبيرز كل ما وراءها. أكملنا الطريق بعد أن سبقاني حتى وصلنا أخيرا إلى هورومبوو بعد أن تبينت معالمها الحقيقة وليست الأوهام التي كنت أتخيلها من تلاعب الظلال في الظلام. ويعد هذا أطول يوم هايك أقوم به حتى الآن بعد أن استغرق 20 ساعة لمسافة 19 كيلو وارتفاع ألف متر.
بتنا ليلتننا الأخيرة في الجبل بعد تناول العشاء واستيقظنا لنحزم أمتعتنا ونودعه. بدأنا التحرك في الثامنة والنصف واستغرقنا سبع ساعات ونصف لمسافة عشرين كيلو متر حتى الوصول إلى بوابة مارانجو ومرورا باستراحة قصيرة في مندرة والعبور على فوهة بركانية من مسار بديل لم نكن قطعناه أثناء الصعود. مررنا أيضا بهضبة بعيدة قال لنا أحد الأدلة أن الأهالي يتبركون بها ويذبحون عندها الذبائح لتحقيق أمنياتهم، كما قابلنا في بداية الطريق عدة أشجار من فصيلة الشيخة تسمى السينيسيو العملاقة Dendrosenecio وهي نوع نادر ومميز لا يوجد إلا في جبلي كلمينجارو وكينيا فقط.
قبل نهاية اليوم بدأت آثار الرحلة تظهر عليّ، فقد أخذت في التباطؤ بعض الشيء في آخر جزء أثناء النزول بسبب احتكاك الصندل بقدميّ ولم أعتد قطع كل هذه المسافة به مما أدى لبعض الالتهابات والبثور - فكانت فكرة سيئة التخلي عن حذاء الهايك. كما أن تأثير شمس الشتاء الحارقة كان أسرع مما توقعت، فقد اتبعت النصيحة بالفعل ودهنت وجهي أكثر من مرة يوم القمة بواقي أشعة الشمس، وارتديت النظارة السوداء لحماية العين من انعكاس الأشعة على الجليد، ولكني أغفلت دهن شفتي بزبدة الكاكاو، فتشققت شفتي السفلى وصرت مثل إبرهة الأشرم بشق ينزف دما من أي احتكاك. كما وجدت ظاهر كفيّ قد احترق جلدهما تقريبا لأني خلعت القفازات ولم أدهن الجزء المكشوف قبل تعرضه للشمس لساعات قليلة (أقل من نصف اليوم فقط بعد بداية الهبوط من القمة)، فضلا عن شعور خفيف بتنميل اليدين لفترة قصيرة قبلها بيومين دون سبب واضح وربما من تأثير الدواء. وأخيرا وجدت بعض الحبوب القليلة في رجلي اليسرى ربما من قرصة أحد الحشرات في المنطقة المكتظة بالمستنقعات. لا بأس من بعض العلامات والذكرى يا جبل، على الأقل لم أقابل مآسي أشد حدثت مع البعض.
كانت الحافلة في انتظارنا عند البوابة لتقلنا إلى الفندق لنرتاح قليلا ثم نجتمع لحفل توزيع الشهادات والعشاء والاحتفال بعيد ميلاد صديقتنا التي أعدوا لها كيكة خاصة مرتفعة من عدة طبقات ربما تأثرا بالجبل. في الصباح شرعنا في حزم أمتعتنا، وقد قرر مجموعة منا أن يمضوا أياما إضافية في تنزانيا إما لزيارة زنجبار أو لقضاء يومين في رحلة سفاري إلى متنزه تارانجيري الوطني و محمية نجورونجورو الطبيعية، فيما يستعد الباقون للرحيل.
استيقظت مبكرا لأقوم بالتسوق وابتياع الهدايا في أول موعد فتح المحلات وقبل الإفطار. وجدت على الخريطة متجرا يبعد حوالي ثلث الساعة من المشي عن الفندق. أثناء التحرك إليه احتجت لعبور الشارع، فوجدتني في حيرة من أمري من الاتجاهات كما حدث معي في الهند بسبب اتباع التصميم الإنجليزي في جعل قائد المركبة جهة اليمين. كان هناك أطفال يتوجهون إلى مدارسهم، ولاحظت أنهم يحلقون رؤسهم جميعا صبية وبنات، ربما للوقاية من الحشرات الموسمية. كما هناك سيدات يربطون رؤوسهم بمنديل لا أدري إن كان هذا حجابا وهن مسلمات أم أنه زي تقليدي خاصة أن بعضهن يرتدين ملابس بنصف كم معه. كان هناك أيضا القليل من الدراجات النارية والتكاتك مع السيارات، وكانت البلدة هادئة إلى حد كبير. اشتريت عدة أصناف من القهوة الحب والمطحونة وسريعة الذوبان التي كانت أرخصهم وأوفر من مثليتها لدينا، بالإضافة لبعض العبوات من الكاشونات/الكاجو المملح التي كانت رخيصة أيضا ولكنها ليست أوفر من مثيلتها في الهند، ولم أشأ أن أغادر البلد دون أحضر ذكرى من فاكتها المميزة فابتعت ثمرة باباز، لكن حجم الحقيبة لم يكن يكفي لجلب ثمرة أناناس أيضا. كنت أود لو تجولت أكثر في السوق الشعبي ومحلات العطارة التقليدية لكن لم يكن ليسعفني الوقت، فعدت مسرعا لأحزم ما ابتعته في الحقيبة وأتناول الإفطار قبل الرحيل.
حين جاءت السيارة لتقلني إلى المطار، ارتبكت مرة أخرى في جهة باب الصعود وكدت أجلس مكان السائق. ودعت من بقي من الرفاق وانطلقنا وقد بدأت السماء تمطر قليلا أثناء الطريق.
لما وصلت مبكرا وجدت وقتا للتسوق قليلا في المطار فابتعت عبوة شاي صغيرة بما بقي معي من فكة محلية من شلنات تنزانية، فقد نفد جل ما حولته وتبقى جزء من الحساب في المتجر دفعته لهم بالدولار بدلا من الذهاب للصرافة ثانية. ألقيت الوداع الأخير على تنزانيا على أمل بلقاء آخر في المستقبل ضمن جولات أوسع في القارة الأم - لعل وعسى.
No comments:
Post a Comment