Sunday, August 23, 2026

كليمنجارو الساحرة - رحلة الفصول الأربعة وطريق الوصول إلى الثلوج البيضاء في أعالي القارة السوداء

لم أكن أدري أن أحد أحلامي للسفر جنوبا في رحاب القارة السمراء سيتحقق لأول مرة عبر الوصول لأعلى قمة فيها. فلم يكن يستهويني عندما يعبر البعض عن أمنياتهم البعيدة في قضاء عطلة مرفهة في فرنسا أو سويسرا، أو البحث عن عمل في ألمانيا؛ فيما كنت أتساءل عن فرص السياحة في القارة الأم، أو اكتشاف غابات سيمبا 😅 في كينيا، أو الوصول لرأس الرجاء الصالح عبر عقد عمل في جنوب أفريقيا، أو زيارة العاصمة المثلثة ورؤية ملتقى النيلين في الخرطوم، وربما الوصول لمنابع النيل على بحيرتي تانا وفيكتوريا في الحبشة وأوغندا. لكن أحيانا تفاجئك الأقدار بأجمل مما كنت تتوق من أسفار.

جاءت تنزانيا في أعلى قائمة وجهاتي التالية فور أن اجتزت قمة توبقال الأطلسية بنجاح. خاصة أن بعض رفاق رحلة المغرب كانوا قد صعدوا جبل كلمينجارو بالفعل قبلها وكانت التجربة بالنسبة لهم أقل صعوبة رغم أن قمته هي الأعلى بالطبع، مما زادني تشجيعا على حماستي المسبقة لأعلى قمة أفريقية.

الجبل ينادينا

التحضير للرحلة هذه المرة كان أبسط بعض الشيئ، فلم أحتج للالتزام بجدول تمارين أسبوعي منتظم قبل شهور من السفر. فقد أصبحت خلال تلك الفترة عضوا في فريق العدو الجبلي (وعول الوادي Wadi Ibex) وخضت عددا من سباقات الألترا ماراثون كان آخرها تحدي الأربع قمم في سيناء قبيل الرحلة بأسابيع قليلة، والذي ينبغي عليك فيه أن تقطع مسافة 30 كيلو متر بإجمالي ارتفاع 2 كيلو متر خلال وقت أقل من 12 ساعة عبر صعود ونزول قمم أربع جبال في سيناء (كاترين وموسى وعباس وصفصافة). فكانت تدريبات الجري المنتظمة عاملا مساعدا في الاستعداد بجانب بعض تمارين القوة Strength Training المفيدة للعضلات، والتمارين الهوائية Cardio Training المفيدة للقلب وتنظيم استهلاك الأكسجين.

أما من ناحية المعدات فلم يكن هناك حاجة لأدوات خاصة (مثل crampons, gaiters, ice axe) كالتي احتجناها في المغرب، فالجبل تقنيا أسهل كما أن طبقات الثلوج أخف. لكني استخدمت عصي التسلق hiking sticks - كان لدي واحدة بالفعل واستلفت الثانية من أختي، حيث نصحنا قائد الرحلة بأهميتها وشرح لنا الطريقة الأمثل لاستخدامها بضبط طولها وزاوية إمساكها ومزامنة حركة اليدين و الرجلين؛ حيث أن توزيع الحمل على عضلات الذراعين أيضا خاصة أثناء الصعود يوفر من الطاقة واستهلاك الأكسجين. ولم أكن معتادا من قبل على اللجوء للعصا إلا في أحيان قليلة أستعير فيها مما تجود به الطبيعة من أفرع الأشجار التي نقابلها في الطريق، فأتكئ عليها أحيانا في بعض المطالع أو المنازل، ثم أتركها للطبيعة ثانية.


توقيت السفر كان في يوليو، ولأن تنزانيا تقع في نصف الكرة الأرضية الجنوبي تحت خط الاستواء، فإنه يمثل ذروة فصل الشتاء وموسم الجفاف لديهم، ولكن الحرارة لا تختلف كثيرا عبر الفصول هناك. أما الجبل فبالطبع له قول آخر، حيث تنخفض دون درجة التجمد بعشر درجات في المتوسط عند الاقتراب من القمة. لذا فإضافة لنظام طبقات الملابس الذي تعودت عليه من سفريات سانت كاترين الشتوية أو رحلة المغرب أو سفري قبلها لأوروبا، فقد احتجت لطبقة إضافية داخلية من الملابس الحرارية (Synthetic Thermals) التي تلتصق بالجسم لتحتفظ بحرارته وتمتص الرطوبة دون أن تبقى كثيرا مع التعرق فتبرد الجسم. كما احتجت أيضا لجوارب من صوف المارينو، حيث أن تجربتي لارتداء جوربين فوق بعضهما لم تسعف في الحفاظ على حرارة الأطراف من قبل. بالإضافة لتأجيري قفازات خارجية عازلة (بتصميم Mittens بدون أصابع) بخمس دولارات ليوم القمة لارتدائها فوق قفازاتي الصوف.


عوائق تدبير العملة الصعبة كانت أكثر هذه المرة، حيث لم تعد تعمل بطاقات الخصم المباشر البنكية مطلقا مع أي موقع دفع خارجي، وتم تقليل حد إنفاق بطاقات الائتمان أكثر، فتجزئة الدفع عبر استعارة كروت من الأصدقاء صارت معقدة ومثلها محاولة الحصول على دولارات من السوق السوداء. لكن لحسن الحظ فقد وجدت موقعا يقبل دفع تذاكر الطيران بالعملة المحلية فوفر لي عبء أحد بنود مصاريف الرحلة.

عند الحجز كنت قد تأخرت بعض الشيئ عن بقية المجموعة فلم أجد مكانا في رحلة الطيران التي حجزوها، وكان هذا من حظي أنا ورفيق سكندري آخر. فقد حجزنا رحلة أخرى في نفس اليوم مع تغيير في توقيتات الترانزيت، وكان هذا على الخطوط الإثيوبية التي كان أوفر بعض الشيء من البديل الآخر على الخطوط القطرية، حيث لا يوجد أي رحلات مباشرة بين القاهرة وتنزانيا. أما حدث مع الآخرين فقد كان أمرا مزريا بحق! لم تتأخر الطائرة كثيرا في موعد الإقلاع، أما عند الهبوط فقط ظلت عالقة كثيرا في الهواء لحين تحسن الأحوال الجوية المطيرة، في حين أن الوقت البيني للترانزيت لرحلتهم التالية من أديس أبابا ساعة واحدة فقط! فما إن خرجوا بسلام بعد تعطل كبيرـ كانت قد فاتتهم الرحلة الثانية بالفعل. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا، فبعد التحدث مع مكتب الطيران في المطار وشركة السياحة المحلية التي حجزنا منها أيضا استطاعوا أخيرا أن يجدوا أماكن في رحلات بديلة تالية بتكلفة إضافية! أما الأسوأ فلم يأت بعد، وهو أمر الحقائب التي لم يستلموها لأنها كان من المفترض أن يتم شحنها تلقائيا على الطائرة الفائتة، وبعد عدة توكيدات على خط السير الجديد للرحلات البديلة التي حجزوها حتى يتم إرسال الأمتعة عليها فوجئوا بعدم وصول الحقائب في النهاية لمحطة الوصول الأخيرة في مطار كليمنجارو. وبعد اتصالات عديدة كانت المفاجأة الأسوا بعد تتبع الحقائب، حيث اكتشفوا أنها ضلت طريقها لتذهب في رحلات (وليس رحلة واحدة) أخرى لمطارات مختلفة في كينيا وأوغندا! خمس حقائب نالت حريتها من أصحابها وقررت أن تجوب أنحاء أفريقيا بمفردها بعض الشيء! وعدت شركة الطيران أن تصل الحقائب إلى الفندق صباح اليوم الثاني قبيل تحركنا لبدء الرحلة إلى الجبل، لكن هيهات! بدأ الشك يساور البعض من إمكانية صعود الجبل بمزيج من القلق وفتور الحماس بسبب فقدان جميع المعدات والملابس الثقيلة وكل ما يلزم لإتمام المهمة، ولكن ما زال هناك بصيص من الأمل في أن تصل في اليوم الذي يليه ويقوم أحدهم بإيصالها لنا من الفندق إلى مخيم مبيت اليوم الأول؛ فيما مررنا على محل لاستئجار أمتعة بديلة وتبرع كل من لديه فائض حاجة إضافية بحاجته (حذاء، معطف، جورب، منامة.. إلخ) للبقية المغدورة والتي كان منهم قائد المجموعة أيضا والذي اضطر في النهاية للبقاء في آخر يوم قبيل القمة بعد أن تبرع ببعض حاجياته - التي من حسن الحظ كانت معه في الشنطة الصغيرة على الطائرة - للبقية. وعلمنا فيما بعد أن الحقائب وصلت بسلام من جولتها السياحية المنفردة بعد ثلاثة أيام كاملين؛ ولم تفلح محاولات الرفاق في الحصول على أي تعويضات على هذه الكوارث من شركة الطيران البائسة!

انتظار طويل في الترانزيت، وأمطار بالخارج

هنا تدرك أن حجزك لرحلة بانتظار طويل في الترانزيت كان نعمة كبيرة، لكن شركة الطيران لن تترك في حالك هكذا دون ذكرى سيئة، فقد أخرت إحدى حقائبي - أنا ورفيق آخر أيضا - عند العودة لتصل القاهرة في رحلة تالية ولم أتسلمها إلا بعد يومين وقد فسد بعض ما فيها من فاكهة كانت هدية الرفاق التنزانيين من الشركة المنظمة!


خارطة القارة من مطار أديس أبابا

المهم، وصلت أديس أبابا صباحا، وقد كان الجو مطيرا وباردا، رغم أن إثيوبيا في النصف الأعلى فوق خط الاستواء
 فمازلنا في فصل الصيف هنا، لكن لأنها هضبة مرتفعة فالجو بها معتدل معظم الوقت، كما أن الصيف يعتبر موسم الأمطار هناك والتي تشتد في أغسطس وتصل لنا عبر النيل الأزرق في موسم الفيضان منتصف الشهر - فترة عيد النيل. أحببت هذا الجو المنعش، وأحببت البلد أكثر رغم أني لم أمكث بها سوى ست أو سبع ساعات فقط، لكني شعرت بألفة سريعة مع أهلها تشعرك أنهم قريبين منا ويشبهون أهلنا من أسوان شكلا وطباعا. والتعاملات القليلة معهم في المطار تركت لدي انطباعا أوليا إيجابيا لم تمحه صدمة عشوائية شركة الطيران فيما بعد. فحين سألت المضيفة عن محتويات الوجبة التي تقدمها أدركت قصدي على الفور وأخبرتني أن جميع المكونات هنا حلال. وخلال الرحلة قمت بتشغيل أحد الأفلام الذي صادف أنه فيلم وطني عن كفاح شخصية علمية لديهم حتى وصلت لأعلى المراتب، وكأنهم يتحدثون عن زويل الخاص بهم، مع الفارق أنه بزغ وساهم في نهضة بلده وليس المهجر. وهذا المزيج من الاعتزاز والاعتداد بالنفس مع الروح الودودة المرحبة لمستها أيضا في التعامل مع الموظفين في المطار وحتى عامل دورة المياه. فيما لم أجد أيا من تلك الصفات مطلقا في تنزانيا، فإما موظف فظ كئيب أو عامل لا ينظر إليك إلا كسائح يبغي الانتفاع منه بأي بقشيش كمتنطعي المطار لدينا! حتى مسئولة الجوازات التي ظلت تحدق في وجهي وفي صورة الباسبور عدة مرات كأنها تبحث عن لص مزور محتمل أو مشتبه في محاولات هجرة شرعية لبلد ما زالت تحكمه آثار الاستعمار السابق. وهذا اختلاف مهم أيضا حيث تفخر إثيوبيا دوما بكونها الدولة الوحيدة التي لم يتم احتلالها في أفريقيا. ما أشعرني بالمزيد من الألفة أيضا حين وجدت مسجدا في المطار، وقد كان هناك غرفتي صلاة للرجال والنساء، وغرفة أيضا لليهود. فصليت الظهر - بعد فوات وقت الجمعة - ومكثت بعض الشيء لألتقي بمصلين من بقاع مختلفة، سواء من أهل البلد أو هنود أو عرب خليجيين أحسبهم من اليمن والسعودية على الأغلب، وحتى مصريين والقليل من شرق آسيا. لاحظت أن المصاحف بالمسجد برواية الدوري عن أبي عمرو البصري، وكان لبعض الإثيويببن صلاة بأداء مختلف بعض الشيء حيث ركوع سريع جدا ثم إطالة في السجود والقعود. خرجت بعدها لأتجول في المطار قليلا، ثم عدت لأنام في المسجد حتى صلاة العصر وأستعد لبدء فتح البوابات للرحلة التالية. ولكني قبل مغادرة الحبشة كنت قد ارتبطت بها بالفعل وعقد العزم على العودة مرة أخرى، إما لصعود جبل رأس داشان - أعلى قمة هناك، أو ربما لزيارة مدينة هرر عاصمة الإسلام في الشرق الإفريقي حيث كان جامعها الكبير يعادل في أهميته المنارات العملية الكبرى في الحواضر الإسلامية كالزيتونة والأزهر وجامع قرطبة.

قصة كفاح

وصلت كليمنجارو مساءا بطائرة مباشرة من أديس أبابا دون الحاجة للمرور بدار السلام العاصمة التي احتاج البعض للمرور بها في رحلاتهم البديلة، وكان الجو لطيفا وإن كان أدفأ من إثيوبيا في صورة معكوسة لتغير الفصول بين الرحلتين أعلى و أسفل خط الاستواء. كان المطار صغير ومزدحما رغم أن الطائرة لم تكن كبيرة، والرحلات التي تصل المطار عددها قليل، لكن وقفنا في طابور للتحقق من تطعيم الحمى الصفراء الذي كان إلزاميا لأي مسافر عبر الخطوط الإثيوبية، حتى لو لم يخرج من المطار أو يزور البلد. كنت أظن أن حصولي على التأشيرة مسبقا أونلاين سيسرع إجراءات الدخول - رغم أنهم تأخروا عن الوقت المتوقع من تاريخ الطلب، ولم يرسلوها عبر البريد الإلكتروني إلا قبيل السفر بأيام قليلة؛ ولكن انقسمنا لطابورين آخرين واحد لمن معه التأشيرة بالفعل وآخر لمن سيحصل عليها في المطار عند الوصول، وللمفارقة استغرقنا نفس الوقت! خرجنا أخيرا، وكان بانتظارنا جاسبر من الشركة المنظمة بالسيارة لتقلنا إلى الفندق.


استغرقنا قرابة الساعة وقد تحركنا وقت المغرب فدخل الظلام علينا أثناء الطريق فلم نتبين الكثير من معالم المدينة سوى كثرة الأشجار على الجانبين. وصلنا موشي أخيرة وهي أكبر بلدة وعاصمة إقليم كليمنجارو، وتقع جنوب متنزه وجبل كليمنجارو الوطني. كنت أنوي التجول قليلا واستكشاف البلدة بعد وضع الأمتعة في الفندق، ولكن معظم المحال تغلق مبكرا حتى تنام المدينة كاملة قرابة العاشرة ليلا، اللهم إلا من بعض الكنائس التي كنا نسمع تراتيل بعيدة قادمة منها في وقت متأخر. وكان من الملاحظ كثرة الكنائس على الطريق بكثافة ظاهرة من تأثير الاحتلال الإنجليزي ومحاولة تغيير التوزيع الديمغرافي للسكان، رغم أنها دولة إسلامية وتحكمها حالية رئيسة مسلمة محجبة أيضا - يسمونها ماما سامية ويلقبونها برئيسة الصدفة، لأنها كانت نائبة الرئيس السابق - وكان مسيحيا - ثم تولت مكانه عند وفاته قبل انتهاء فترته.


ماما سامية ترحب بالزوار

انبهرت موظفة الاستقبال حين رأتني مرتديا فانلة مكتوب عليها "سيناء" - من تحدي الجبال السابق - وأخبرتني بحماس أنها تعرف عنها جيدا من المدرسة... تجولت في الفندق قليلا واستخدمت حمام أحد الرفاق في غرفة مجاورة بعد أن اكتشفت أن حمام غرفتنا لا يوجد به شطافة - كحال بعد فنادق البحر الأحمر لدينا التي تسير على معايير غربية دون اعتبار لثقافة البلد! وحتى لم أجد في قائمة الطعام للعشاء اختيارات محلية، فطلبت وجبة سمك تجنبا لأي شبهة في الأطباق الأخرى حيث كان بالقائمة كحوليات ومأكولات قد تطهى بالنبيذ.

كل غرفة بالفندق لها رقم وطائر أو حيوان مميز

استيقظنا مبكرا لنتناول الإفطار ونحزم أمتعتنا استعدادا للانطلاق وبدء رحلة الستة أيام في رحاب الجبل. كنا مجموعة من 12 مغامر نصفهم مصريين ونصفهم هنود وإيطالية، متوسط أعمارنا في الأربعينات فيما عدا ثلاثة، اثنان في العشرينات منهم الإيطالية التي كانت الرحلة هي هدية عيد ميلادها، أما الثالث فكان أصغرنا طالب الثانوي الذي جاء مع والده وكانا ثنائيا جميلا رائعا، وللمفاجأة كان هذا ثاني جبل لهما مباشرة بعد سانت كاترين! فيما البقية كان لديهم خبرات جبلية كثيرة سابقة سواء في سيناء أو الهيمالايا أو الألب، وحتى الهنود الذي يعيشون حاليا في الإمارات أو الكويت أو إنجلترا لهم تجارب سفر جبلية كثيرة. أنهينا استعداداتنا والتقطنا صورة جماعية قبل أن نستقل الحافلة ليصحبنا ريتشارد إلى سوق المدينة أولا لتغيير العملة وتأجير المعدات قبل موعدنا بعد ساعة مع بوابة مارانجو حيث نقطة انطلاقنا من بين ستة أو سبعة بدائل أخرى للمسير في الجبل.

أهم الدروب في الجبل

تعدد الدروب كان أمرا جديدا ومذهلا بالنسبة لي، وهو أهم ما يميز الجبال البركانية مثل كيلي و فوجي، حيث تتشكل في صورة مخروطية معتدلة الميل دون زوايا حادة، وتتخذ صورة متفردة كجبال قائمة بذاتها، فيسهل التحرك فيها للقمة غالبا من أي جهة تقريبا بمشي عادي على القدمين دون الحاجة لمهارات أو معدات تسلق خاصة. بينما الجبال التي تتكون بفعل حركة صفائح الأرض التكتونية إما اصطداما كجبال الهيمالايا وقمته إفرست أو جبال أطلس أو الأنديز، وإما تصدعا كجبال البحر الأحمر وسيناء التي تشكلت بانفصال قارتي آسيا وأفريقيا - فإن هذه الحركة تسبب تكوين سلاسل جبلية ممتدة بأشكال مختلفة وزوايا حادة مما يقلل فرص وجود دروب ممهدة للوصول إلى قممها.


أشهر مسارين في كيلي هما درب مارانجو ودرب ماشامي. كلاهما يبدأ من الجهة الجنوبية من سفح الجبل. الأول الذي سلكناه هو الدرب الوحيد الذي يوفر استراحات مبيت في أكواخ مجهزة في كل محطة من الطريق، لكن يعيبه أن مسار الصعود هو نفسه مسار النزول فلا يتاح لك فرصة المرور بمناظر ومشاهد مختلفة أثناء العودة، لكنه الأكثر سهولة وشعبية لذا يسمونه طريق الكوكاكولا. بينما درب ماشامي يطلقون عليه طريق الويسكي لصعوبته النسبية ولحاجتك للتخييم في كل محطة، حيث يكون النوم في حرارة منخفضة في العراء صعبا مهما كانت خيمتك عازلة - خاصة إذا اشتدت الرياح ليلا. هناك مسار أومبوي من جهة الجنوب أيضا بين مارانجو شرقا و ماشامي غربا لكنه أكثر صعوبة وأقل شهرة لأن ميل الصعود فيه حاد أكثر لكنه الأقصر فيستغرق حوالي خمسة أيام. في المقابل يبدأ درب رونجاي من الجهة الشمالية قرب الحدود الكينية ويقطع الطريق طوليا حتى القمة ثم يكمل جنوبا لينتهي عند بوابة مارانجو، وهو الدرب الوحيد الذي يتشارك مع مسار مارانجو في طريق العودة، بينما الدروب الأخرى تنهي رحلتها عبر مسار مويكا المخصص للنزول فقط وبوابة خروجه جهة الجنوب أيضا. أما الجهة الغربية فيبدأ منها مساران آخران هما درب ليموشو الذي يعد الأكثر جمالا في تنوع المناظر طوال الطريق، و درب شيرا الذي يبدأ من هضبة أعلى ارتفاعا بعض الشيء من سفح الجبل لتوفير يوم في الرحلة من حيث الوقت والتكلفة، لكنه غير مناسب لمن يحتاج وقت أطول للتأقلم مع المرتفعات؛ ومن يبدأ من الغرب عادة ما يقيم في مدينة أروشا الأقرب والأكثر حيوية أيضا من بلدة موشي، كما أنها أقرب للمحميات الطبيعية في تنزانيا لمن يود أن يكمل جولته بعد الجبل، غير أنها الأقرب أيضا لجبل ميرو، ثاني أعلى جبل في البلد والأكثر تميزا في إمكانية رؤية الحيوانات والحياة البرية مقارنة بكيليمنجارو وربما يكون هو وجهتي القادمة يوما ما مع زيارة أخرى لزنجبار أيضا. أخيرا هناك مسار سابع جديد يسمى درب الدائرة الشمالية يبدأ من الغرب أيضا ويشترك في جزء منه مع ليموشو، لكنه يكمل بعد القمة في مسار دائري حول المخروط البركاني قبل النزول، لذا فإنه يستغرق وقتا أطول يصل إلى تسعة أيام.


حين وصلنا عند بوابة مارانجو كان الأدلة في انتظارنا؛ كان معنا حقيبة ظهر صغيرة بها مياه ومستلزمات خفيفة، بينما تركنا الحقائب الكبيرة ليأخذها الحمالين فيما بعد. نعم لا يوجد هنا حيوانات مسخرة للنقل للأسف، فلا جمال سيناء ولا بغال أطلس - ما زالت العمالة البشرية هي الأرخص في مهن مازالت كما هي منذ قرون. كنت أظن أنهم بالضرورة يتيمزون ببنية جسدية صحية قوية وطول وعضلات وشباب، لكني رأيت حمالين من مختلف الأعمار والأحجام وحتى أن بعضا منهم سيدات أيضا؛ يحملون الأمتعة أو المعدات أو الطعام على رؤوسهم أو ظهورهم ويتحركون بخفة ورشاقة وسرعة لم أستطع حتى أن أجاريهم فيها حين حاولت أن أسرع قليلا أثناء النزول في اليوم قبل الأخير وأنا عداء متمرس، بينما كانت مشيتهم السريعة أسبق مني.


الحمالون في البرية

كان علينا عند البوابة أو نوقع في سجل الدخول باسم كل منا ورقم الباسبور والعمر واسم المجموعة واسم المشرف، وسنقوم بنفس الإجراء عند كل محطة في المخيمات التالية خلال الطريق. في المدخل يوجد بعض اللافتات التوثيقية لقصة أول صعود للجبل وتخليد ذكرى أول مغامر أوروبي وأول دليل تنزاني، بالإضافة لبعض التعليمات التحذيرية التي ستتكرر عبر الطريق من عدم إلقاء نفايات، وعدم إشعال نار، وتقديم السلامة أولا والنصح بالنزول عند التعب. كان هناك تفتيش سريع عند الدخول حيث طلبوا من أحد الرفاق التخلص من زجاجة مياه بلاستيكية معه، فيما كان معي زجاجتين صغيرتين أحدهما قارورة تحتلفظ بالحرارة (حتى لا يتجمد الماء) والأخرى بلاستيكية عادية لكن لم يلحظوها بجوار الجاكت الخفيف داخل الشنطة.

Check in

بدأنا التحرك في أجواء صيفية استوائية معتدلة وسط غابات مدارية عالية الأشجار تلقي ظلالا ورافة طوال الطريق فلا نكاد نشعر بالشمس مطلقا. التقطت الكثير من الصور في هذا اليوم لكل شجرة ونبتة وزهرة وجدول ماء وشلال - حيث كنت منبهرا بشدة لأول تجربة لي في غابة، بينما يشعرني الرفاق الهنود أن هذا أمرا عاديا جدا لديهم لا يستحق كل هذه الدهشة، مما ذكرني برفيقة كورية في أحد رحلات سانت كاترين والتي كانت منبهرة باتساع الصحراء الصفراء القاحلة ومناظر الجبال الصخرية الوعرة، حيث أن هذا أمرا نادرا بالنسبة لها وسط اعتياد المروج والجبال الخضراء! طفقت أتملى من كل تفصيلة وودت لو أبطأنا أكثر وأكثر لأتعرف على أنواع الزهور والنباتات وأتنسم عبقها، وأستشعر رائحة الأجواء المطيرة وملمس أوراق الأشجار الندية؛ وكان صديقي الهندي مجيب يعرفني كل نوع نقابله من أزهار الليليوم و السوسن و الأوركيد وغيرها، لكن الأشكال والأسماء اختلطت عليّ فلم أحفظها عنه.

جرعات زائدة من الجمال

كان اليوم الأول سهلا، حيث استغرقنا حوالي خمس ساعات ونصف لنقطع مسافة ثمانية كيلومترات من نقطة البداية عند ارتفاع 1800 متر حتى نصل إلى ارتفاع 2700 متر عند أول محطة في مخيم مندرة، تخللتها استراحة للغداء قبيل العصر. كان الطريق موحلا قليلا في بعض الأجزاء مع مطر استوائي خفيف قرب نهاية اليوم - رغم أننا في موسم الجفاف، لكنه طين خفيف قد يزلق بعض الشيء خاصة أني كنت أرتدي صندلا في هذا اليوم، لكن لا تغوص قدمك كثيرا في الوحل. فقط شعرت بدوخة خفيفة لبضع دقائق في الساعة الثانية ربما لأني أسرعت الخطى أكثر من اللازم حين كنت أتأخر للاستغراق في التصوير ثم أسرع للحاق بهم، رغم مرافقة الدليل ليفينجستون لي (يبدو اسما شاعريا - الصخرة الحية/المعمرة!) حيث ينتظر في نهاية الركب مع آخر فرد في المجموعة، فيما يقود ريتشارد في الأمام ويبقى دليلان أو ثلاثة في المنتصف، ويحرصون جميعا على أن يذكّرونك كل فترة: بولي بولي.

ليفستون في انتظاري حتى أفرغ من تصوير شجرة الموز العملاقة

"بولي" تعني ببطء أو على مهلك، وهي أحد الكلمات السواحلية القليلة التي تعلمتها منهم من بين كلمات أخرى مثل "جامبو" أي أهلا - لتحية كل من تمر عليه أو تقابله في الطريق، و "كاريبو" أي مرحبا، و طبعا الكلمة الأشهر على الإطلاق "هاكونا ماطاطا" بمعنى (لا مشكلة). لم أستطع أن أبهرهم عندما قمت مسبقا بتحميل ملف به أهم مفردات السواحلية، حيث لم أجد وقتا لمذاكرته وحفظ بعض كلماته. فضلا عن أني اكتشفت أنهم يتحدثون فيما بينهم بلغة أخرى غير السواحلية الرسمية. فمعظم من يعملون بالسياحة في المنطقة من قبائل الشاجا؛ وهؤلاء لهم لغة محلية خاصة، كما كانت لهم ديانة خاصة قبل أن يتحولوا إلى المسيحية والإسلام. تظهر المسيحية في أسمائهم الغربية مثل "ريتشارد" أو "نيكسون" - بينما يحتفظون بألقاب القبيلة في الاسم الثاني. لم أتحدث مع مسلمين، لكني قابلت حمالين منهم في الطريق يتميزون بارتداء الطاقية مثل الهنود المسلين أثناء الصلاة. لم يكن لدي فضول كافٍ للتعرف على لغة الشاجا أو تعلم مفردات منها، لكني اطلعت على بعض فنونهم لاحقا والتي تختلف كثيرا عن السواحلية ذات الطابع الشرقي أكثر، فضلا عن مزجها الكثير من المفردات العربية.


قمنا بالتوقيع في الدفتر فور وصولنا مأوى مندرة وكانت الشمس قد قاربت على الغروب - حيث أننا لم نتحرك في اليوم الأول إلا بعد الظهيرة، نظرا لاستغراق وقت في المرور على سوق المدينة ومحل إيجار المعدات. كانت أمتعتنا قد وصلت قبلنا بفضل الحمالين الذين تحركوا بعدنا، فأخذ كل منها حقيبته ومن ثم توجهنا للأكواخ المخصصة لنا. معظم المعكسرات أو الملاجئ التي سنأوي إليها للمبيت في كل محطة تتكون من عدد من الأكواخ الخشبية المقسمة إلى حجرات، وكان هذا جميلا ومفاجئا. حيث كان التوقع أننا سنكون ثمانية أشخاص على الأقل في المهجع الواحد، لكن الحجرة كانت دائما صغيرة تكفي أربعة بسريرين منفصلين من طابقين - وليست هناجر كبيرة بأسرة ملتصقة مثل تجربة توبقال. المفاجأة السارة الثانية أن الحمامات المشتركة أمام كل مجموعة من الأكواخ كان بها مراحيض عادية ونظيفة وبها شطافة أو خرطوم أيضا! وطبعا يتوفر بها مياه دائما حتى وإن كانت ضعيفة أحيانا، وكل هذا قدر كبير من الرفاهية لا يتمتع به من يسلك المسارات الأخرى التي تتطلب تخييما واعتمادا أكثر على الذات - أو على الحمالين الذين يحملون ويجهزون لهم حمامات متنقلة ويجلبون لهم المياه من الينابيع المحيطة! مياه الصنابير لم تكن للشرب، فقد كان أحد الأدلة يأخذ القوارير منا لملئها بمياه عذبة وإعادتها إلينا، وكان عليه أن يخفي زجاجتي البلاستيكية عند ملئها أو يتركها لأملأها أنا من القارورة الأخرى وأعيدها له لإعادة ملئها حتى لا يتم تسجيل أي مخالفة من إدارة المحمية. كان الأدلة يشربون من أي نبع أو شلال نمر عليه في الطريق، لكنهم نصحونا بعدم فعل ذلك مثلهم فربما لا تتحمل معدتنا، والأفضل أن يتم غليها أولا أو نأخذ من المياه المفلترة التي يحملونها معهم.

لأهل البندر المندرة، وللصعاليك خيام مكورة


ارتحنا قليلا ثم توجهنا إلى الصالة الكبيرة للعشاء. كان هناك تنوع كبير في المأكولات والمشروبات كل يوم، لكن هناك بعض الأطباق الثابتة مثل طبق لا أذكر اسمه يشبه البليلة المصرية في الإفطار، والحساء الساخن قبل العشاء. وكان أكثر ما يميز المائدة هو وفرة الفاكهة، فلديهم تقريبا كل أصناف الشتاء والصيف، كالبرتقال و الأناناس والمانجو والبطيخ والقرع والباشون فروت وغيرها. لكن أكثر فاكهة رأيتها مستخدمة في أطباقهم هي الباباز / الباباي، فتؤكل كفاكهة مستقلة أو تستخدم في الطبيخ، وكانت مميزة ولذيذة جدا في السلطة أيضا. كما أن لديهم نوعين من الموز أحدهما صغير من ضمن الفاكهة، والآخر كبير يطهى أو يقلى لكنه لم يعجبني، مثلما لم تعجبني المانجو كثيرا مقارنة بالأنواع المصرية، لكنها على الأقل أفضل من نظيرتها في الهند حيث يجعولنها مع المخللات من قلة السكر بها. كانت الوجبات عامة تكفي وتفيض، لدرجة أن التسالي البينية في الطريق لشحن الطاقة لم نكن نستهلكها وصرت أوزع منها على الرفاق كلما حانت فرصة، حتى أطلق علي أحدهم لقب البقالة المتحركة. فقد كنت أحمل معي النوجا التي أعجبتهم جدا وأول ما نفد من مخرون، ثم الفول السوداني المملح، ثم مزيج الفول السوداني مع الزبيب، وأخيرا التمر الذي بقيت منه علبة كاملة بحالها تقريبا.


بتنا ليلتنا واستيقظنا مبكرا للانطلاق وإكمال المسير لليوم الثاني. عند الثامنة صباح كنا مستعدين للتحرك، وكان الجو ربيعيا أو خريفيا منعشا. احتجت في البداية لارتداء الجاكت الخفيف بعض الوقت فوق فانلة صيفية، وطبعا تخليت عن البنطال القصير (الشورت) والصندل الذين ارتديتهما في اليوم الأول، كما أخذت معي العصا للتدرب على استخدامها قليلا. بعد أقل من ساعة من المشي كانت تختفي معالم الغابة الاستوائية بالتدريج، ما زال حولنا زرع و أشجار - لكنها أقصر و أصغر حجما وأقل كثافة. ليس هناك ما يلقي ظلالا ويحجب الشمس، لكنها لم تظهر لسبب آخر وهو الضباب وبخار الماء الكثيف في الجو. في منتصف اليوم هطلت الأمطار بغزارة لفترة قصيرة ولم أكن مستعدا لذلك، لكن الأدلة دائما جاهزين حيث أعطاني ريتشارد سترة مطر بلاستيكية لارتدائها فوق الملابس وفوق حقيبة الظهر أيضا حتى لا تغرق بالماء.

ضباب ومطر بعد انكشاف الغابة


بعد سبع ساعات ونصف سنكون قد قطعنا 12 كيلو متر وصعدنا 1150 متر إضافية لنصل لمحطتنا التالية في مخيم هورومبو على ارتفاع 3700 متر فوق السحاب. نعم فوق السحاب حرفيا، فالسحب التي كانت تهطل أمطارها علينا منذ ساعات صارت تحتنا تغرق من لا زالوا بالأسفل، أما نحن فقد تجاوزناها خلال مسيرنا وسط ضباب كثيف لا نكاد نرى فيه أمتار قليلة أمامنا حتى عبرنا مستوى السحب وصرنا نرى الشمس الساطعة بجوارها طبقة أخرى من السحب الأخف والأقل كثافة. كان الوقت عصرا والجو ما زال منعشا في برودة محتملة يخففها سطوع الشمس، لكن الحرارة ستنخفض بعد الغروب حتى تصل إلى ثلاث درجات وربما أقل قبيل الفجر، وسيكون الذهاب للحمام ليلا مهمة شاقة في هذا الصقيع، أما الوضوء فسيكون علينا أن ننتظر قبيل الشروق حين يحضرون لنا مياه دافئة في أطباق بلاستيكية أمام أكواخنا للنظافة الشخصية. وكان عجيبا أن نصادف رفاقا من مجموعة أخرى كويتين يبيتون في خيام متنقلة يتحركون بها في كل محطة ولم يحجزوا في الأكواخ المجهزة، لكن بالطبع كان معهم طاقم خدمة كبير، حتى أنهم كانوا ينصبون خيمة مخصوصة للصلاة تشاركنا معهم فيها حين كان هناك القليل من المطر.

السحاب من فوقنا والمطر من تحتنا


لن نكمل المسير في طريقنا في اليوم الثالث، بل سيكون يوما للتأقلم والتكيف مع الارتفاعات العالية، حيث صعدنا إلى هضبة ماونزي - التي تسمى السرج Mawenzi Saddle - على ارتفاع حوالي 4200 متر ثم عدنا أدراجنا إلى هورومبو ثانية في خمس ساعات. الهدف هو أن يتعود الجسم على نقص الأكسجين في مكان مرتفع ثم تبيت في مكان منخفض ليأخذ الجسم وقته في التكيف عند تكرار تجربة الارتفاع لاحقا. هناك حيلة أخرى للتأقلم قمنا بها وهي تناول أقراص دياموكس (سيدامكس) وهي حبوب تستخدم بالأساس لعلاج المياه الزرقاء وتقليل ضغط العين، لكن من آثارها إدرار البول وتغيير معدل حموضة الدم التي توحي للمخ بنقص الأكسجين وزيادة ثاني أكسيد الكربون، فيعطي إشارة للجسم لزيادة معدل التنفس لتعويض هذا الأكسجين، وهو بالضبط ما تحتاجه في الأماكن الشاهقة للوقاية من داء المرتفعات وتكيف الجسم. كانت الجرعة نصف قرص صباحا ومساءا بدءا من أول يوم في الصعود وحتى يوم القمة، لم أشعر معها بتغير ملحوظ في معدل الحاجة لدخول الحمام أو زيادة البول إلا بالقدر العادي الذي يحدث مع برودة الجو؛ وربما لم أعمل بالنصيحة التي توصي بشرب الماء كثيرا كما ينغي. عند وصولنا لأعلى نقطة في الطريق قبل العودة جربنا قياس نسبة الأكسجين في الدم للاطمئنان بجهاز لدى رفيقة هندية تعمل طبيبة، فيما اكتفيت بمراجعة بيانات الساعة الذكية رغم عدم دقتها بالمقارنة بالجهاز. التقطنا صورا عند صخرة مميزة في الهضبة بشكل مخطط كألوان الحمار الوحشي ثم قفلنا عائدين.

Zebra Rock

نسيت أن أذكر ميزة أخرى في المسار الذي اتخذناه بديلا عن مسارات التخييم، وهو توافر الكهرباء في الأكواخ فتستطيع أن تشحن أجهزتك دون الحاجة لشاحن خارجي كبير وثقيل. لكن هناك مفاجأة غير سارة في انتظاري. فعند مبيتنا لليلة الثانية في هورومبو قمت بحشن هاتفي بسهولة، أما الساعة فكان لها رأي آخر حين حاولت شحنها ليلا وقد كانت ليلة أبرد من السابقة بحرارة صفر تقريبا أو ربما أقل، ولم أكن أعلم أنها غير مهيئة للأجواء الصعبة. بالإضافة لأن محاولتي للتذاكي بإحضار كاميرا رقمية قديمة لدي لاستخدامها في التصوير في الأجواء الباردة حتى لا أضطر لخلع القفازات واستخدام لمس الهاتف في البرد لم تفلح - حيث لم تكن مهيءة للعمل في أجواء باردة أيضا رغم أن بطاريتها كانت كاملة الشحن، ويبدو أني قد فاتني بعض المحاضرات في منهج الإلكترونيات وقت الدراسة. في المقابل كان الرفاق مع مفاجأة أخرى وهو أنه بعد عناء وطول انتظار جاءهم خبر وصول الحقائب أخيرا من جولاتها العشوائية في مطارات أفريقيا إلى الفندق أسفل في موشي. كيف؟ حسنا، هذه ميزة أخرى حيث أن معكسرات مسار مارانجو  مزودة بخدمة إنترنت (واي فاي) وبتكلفة معقولة جدا، ولم يكن معظمنا قد حصل على شريحة هاتف تنزاني أو اهتم باختبار ما إذا كان هناك تغطية للشبكة على الجبل.

احترس


بدأ اليوم الرابع ونحن نودع هورومبو مؤقتا، حيث سنعود إليه مرة ثالثة لاحقا وانطلقنا في السابعة والنصف صباحا لنكمل مسيرنا. ما زالت المروج الخضراء تحيطنا، لكن معظمها من العشب وحشائش السافانا و نبتات وشجيرات قصيرة، ومع الوقت يقل الخضار والحياة ويبدأ جدب الصحراء في الزحف مع طبيعة صخرية للدرب كلما صعدنا أكثر. ومع الصعود تتحول الأجواء لتصير شتوية أكثر - حتى مع الشمس فنضطر لارتداء طبقات إضافية مما كنا نحنتفظ بها في حقيبة الظهر، فاستبدلت قبعة الشمس بقبعة الصوف، ومع شدة الريح احتجت لتلفيحة أو قناع وجه حتى لا يدخل الهواء البارد للجهاز التنفسي مباشرة. صعدنا حوالي ألف متر إضافية في تسع ساعات ونصف قطعنا فيها مسافة عشر كيلو مترات تقريبا لنصل إلى معسكرنا الأخير في مخيم كيبو على ارتفاع 4700 متر.

تختفي ملامح الحياة تدريجيا كلما صعدنا لأعلى


يقع المخيم أسفل بداية قمة كيبو، وهي عبارة عن مخروط بركاني تقع القمة في أعلى فوهته، ويمثل واحد من ثلاثة قمم للبركان القديم وأحدثها - حيث خمدت منذ مئات الآلاف من السنين. بينما القمة الأقدم والأقصر تسمى شيرا وتقع في الغرب ويقدر عمرها بملايين السنين، والوسطى هي مخروط ماونزي والتي يفصل بينها وبين مخروط كيبو هضبة واسعة لذا يسمونها السرج، ويتطلب صعود قمة ماونزي بداية من هذا السرج مهارات تقنية عالية في تسلق الجبال وليس بسهولة قمة كيبو الأعلى. وبالإضافة للقم الثلاث يعج الجبل بالكثير من الفوهات البركانية الصغيرة على ارتفاعات مختلفة يفوق عددها المائتين.


لم يكن الطريق إلى كيبو ممتعا، فمع تغير الجو بدأ الشك يتسلل لبعض الرفاق الذين فقدوا أمتعتهم عما إذا كانت المعدات التي أجروها ستؤدي الغرض أم أن عليهم الاكتفاء بهذه المرحلة والعودة. كما أن الأجواء المحيطة لم تكن مبشرة حين كنا نلمح مهبط طائرات هليوكوبتر بعيد تتحرك منه أو إليه طائرة كل فترة ونتساءل ما إذا كان حدث لأحد مكروه في الطريق وجاء الإسعاف الطائر لينقذه. بينما في المقابل بعث في نفوسنا التفاؤل لقاء اثنين من الدارجين يسلكون الدرب بالدراجات الجبلية، حيث أن الصعود بالدراجة أشق بكثير من الصعود على الأقدام. هذا غير لقائنا بمجموعة أخرى من المغامرين الهنود كلهم حماسة وإقبال التقطنا الصور معهم وصدح بعضهم بالأهازيج في جماعة.

حظا سعيدا يا أصدقاء


كان الوقت قصيرا بعد وصولنا إلى كيبو، حيث كان علينا أن نتناول الطعام وننام مبكرا جدا حتى نستيقظ للتحرك لليوم الكبير إلى القمة قبل منتصف الليل. بل إن اثنين من الرفاق الهنود تقرر أن يتحركوا قبلنا في الحادية عشرة حتى لا يضطروا للإسراع لأن خطوتهم أبطأ، وقد كان من المفترض أن نمشي جميعا في صف على خطوة أبطأنا، ولكن بذلك المعدل ربما نتأخر جميعا. رفضت ساعتي البيولوجية أن تستجيب لمحاولات النوم في غير موعدها، وحين بدأت الاستغراق في النوم أصابني القلق مرة أخرى من حركة رفيقي الذي يستعد كي يتحرك مبكرا قبلنا، والذي بدوره لم يتسطع أن ينم جيدا أيضا.


تجهزنا بكافة طبقات الملابس التي لدينا ووضعنا كشافات الرأس وبدأنا في التحرك دون تأخر عند منتصف الليل. كانت "بولي بولي" شعارنا بشكل مبالغ فيه بعد أن اصطففنا بترتيب الأبطأ في المقدمة والأسرع في المؤخرة، وكان ريتشارد حريصا على التأني زيادة عن اللزوم في كل خطوة لأن قائد المجموعة ليس معنا بعد أن أعار ما بقي من معداته لبعض الرفاق وقرر أن ينتظرنا في كيبو. كنا نتوقف كل فترة لتناول مشروب ساخن أو بعض البسكويت أو ثمرة فاكهة، وحين كنت أغفو قليلا رغما عني أثناء الانتظار أجد أحد الأدلة يوقطني قلقا من أن أتأثر أثناء النوم إما من البرودة أو نقص الأكسجين؛ فكنت أقول في نفسي "أين أنت الآن يا ريتشارد؟ - حين كان يطمئن علينا كل صباح قائلا (did you sleep like a baby?) لأقول له لا، دعهم يتركوني قليلا. عند الفجر سنقابل رفيقي الذي بدأ مبكرا وهو عائد بصحبة دليل بعد أن شعر بالتعب خاصة أنه مصاب بالسكري والضغط ولم تكن القياسات جيدة، ثم بعدها بساعة سنقابل الرفيقة الأخرى وهي عائدة هي الأخرى حيث لم تطمئن لقياسات الأكسجين، مما زاد القلق عند المجموعة وكان الأدلة ما يأخذون بالأحوط دائما وهو قرار الرجوع دون محاولة تشجيع أو بث الروح التي تناسب كل فرد وحالته.


مع الشروق وانقشاع الظلام بدأت معالم الدرب في الظهور وقد اختفت كل مظاهر الحياة والعشب الأخضر من حولنا ولم يبق إلا الصحراء الصخرية القاحلة تكسوها الثلوج البيضاء في الأفق، فكأنك في كل يوم تنتقل ليس فقط بين فصول السنة في طقس مختلف، ولكن أيضا تنتقل بيئيا بين حيوات وبيئات مختلفة من استوائية في الأسفل وحتى القطبية في الأعلى، وما بينها مستويات عدة من الكائنات الحية و النباتات التي تلائم كل بيئة. فقابلنا القردة والنسانيس في الأسفل، ثم الطيور كالغراب الكبير Raven في المنتصف حتى هورمبو، ثم الفئران الجبلية المخططة في كيبو، ثم لا حياة مطلقا إلا من بعض المختلين من بني البشر أمثالنا الذين يجوبون الفيافي الجرداء والصحراوات الجليدية ليحققون إنجازا لا يقدره أحد!

لم يكن يدرك الغراب ذي الرقبة البيضاء أننا سنحلق فوقه في اليوم التالي


عند الثامنة صباحا كنا قد وصلنا أخيرا لحافة الفوهة البركانية عند نقطة جلمان بعد أن سبقتنا الرفيقة الإيطالية مع أحد الأدلة حيث لم تتحمل معدل السير البطيء جدا. لحافة مخروط كيبو ثلاث قمم عليا أولها جلمان عند ارتفاع 5680 متر، وبالوصول لها فقد تم احتساب وصولك رسميا لقمة كليمنجارو حتى لو لم تصل لأعلى نقطة، وحينها تحصل على شهادة بهذا الإنجاز العظيم، والذي كان مهما بالتحديد لأصغرنا طالب الثانوي الذي ربما يعد له رقما قياسيا كأصغر مصري صعد الجبل، ولتوثيق تفوقه الرياضي في المدرسة. احتفلنا بالتقاط صورة جماعية للحظة الفرح المخلوطة بالتعب، وقرر معظم الرفاق الاكتفاء عند هذه المرحلة والعودة، فيما عزمت أنا ورفيق مصري وآخر هندي إكمال المسير. معظم الطريق بعدها كان وسط الثلوج، وبعد ساعتين وصلنا إلى القمة الثانية على الحافة وتسمي نقطة ستيلا على ارتفاع 5750 متر. بدأ التعب يتمكن من رفيقي، فكنت أبطئ حين أجد نفسي أسرعت مع أحد الدليلين، فننتظر حتى يتمكنا من اللحاق بنا مع الدليل الآخر. أعطيتهما من التمر الذي معي ليتزودا قليلا بالطاقة وأعطيت أحدهما محلول أملاح الجفاف لمنع الشد العضلي حين كان لا يقوى على المسير ويحتاج لانتظار استراحات أطول. وقبيل القمة مررنا بمغامر آخر في حال يرثى لها وقد كاد ينهار بعينين حمراوتين لا تكاد تحمله قدماه والدليل الذي معه يسنده، فأعطيت لهما تمرا فلم يستطع حتى أن يأخذه وناوله له الدليل في فمه مباشرة؛ لحسن الحظ سنقابلهما مرة أخرى عند العودة بعد أن وصل بالفعل وصار أحسن حالا. في مقابل حالات كهذه ربما تؤثر عليك نفسيا وتقلقك كنا نقابل رفاقا آخرين عائدين يشجعوننا ونهنئنهم بإنجازهم مما يعيد التوازن ويدفع عنك وساوس الاستسلام والتفكير في العودة التي ربما قد راودت أحد رفيقي مرة أو مرتين.
عندما يتسامي الجليد فيصير سحابا


و أخيرا عند الحادية عشرة ها قد وصلنا إلى سقف أفريقيا، قمة أوهورو - أعلى نقطة في الجبل والقارة كلها وذروة حافة فوهة مخروط كيبو على ارتفاع 5900 متر 🥳🤩 كانت الشمس ساطعة منذ الصباح، ورغم أن درجة الحرارة -7 إلا أني بدأت أضيق من الطبقة الحرارية التي كانت تدفئني في الليل، كما كنا محظوظين بعدم هبوب رياح تزيد شعور الصقيع وسط الصحراء المفتوحة والحرارة المنخفضة تحت الصفر. كانت القمة مكتظة بفوج من الطلبة الآسيويين الذين لا يكفون عن التصوير أفرادا ومجموعات لعمل مجموعة من الفيديوهات القصيرة بحركات مختلفة لنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. بعد أن طال انتظارنا طلب منهم الدليل أن يفسحوا المجال قليلا حتى التقطنا صورنا بعد أن استرحنا واستعاد الرفاق طاقتهم.


بعد نصف ساعة بدأنا التحرك للعودة، وكانت لدينا الفرصة للتأمل أكثر في الطريق مع سهولة النزول وملاحظة المشاهد التي مررنا عليها أثناء الصعود دون تركيز، مثل منظر تلاقي السحب مع الثلوج، أو تكوينات النهر الجليدي الذي كان بمحاذاتنا، لكن لم يتسنى لنا الوقت للتوقف قليلا واللعب بالثلج.

الأنهار الجليدية تتحرك ولا تجري 🤔


بعد أن اطمأننت على رفيقيّ قررت أن أسرع الخطى في النزول وأتركهما بصحبة الأدلة كل حسب سرعته، فالطريق سهل وواضح، وربما إن احتجت شيئا سأجلس وأنتظر حتى يمرون عليّ. أكملت مسيري حتى وصلت كيبو في استراحة قصيرة للحمام وتناول الطعام. كنت أود أن أترك المعطف الثقيل في الحقيبة الكبيرة، لكن الحمالين كانوا قد أخذوا الأمتعة بالفعل وتحركوا مع بقية المجموعة الذين وصلوا مبكرا ولم يكملوا معنا، فتركته مع قائد المجموعة الذي كانت ينتظرنا حتى يطمئن على وصول الجميع. استكملت المسير مرة أخرى في اتجاه هورومبو التي سنبيت فيها ليلتنا الثالثة والأخيرة، ولكن الوقت بدأ يتأخر. قبيل الغروب مر بي أحد الأدلة أو الحمالين من مجموعة أخرى وسألني إذا كنت أحتاج أي مساعدة، فشكرته؛ قال لي هل معك كشاف، فأجبت بنعم. الحقيقة أن كشاف الرأس كانت بطاريته ضعيفة كما اكتشفت أن به سلكا مهزوزا بسبب رطمة سابقة جعلت إضاءته مهتزة ثم تنطفئ فجأة، ولأننا كنا نسير في صف ليلا فاعتمدت طوال الوقت على إضاءة الرفاق. لم أقدر الوقت جيدا وقلت ان ما بقي قليل وسيكفيني بقايا ضوء النهار قبل دخول الغسق وطغيان الظلام. كان الضوء يخفت رويدا رويدا، وعيناي تتأقلمان مع ذلك بالتدريج، في نفس الوقت بدأت تهطل بعض الأمطار قليلا، ومع قلة النور صرت أتبين طريقي بالكاد وأدور وأتحرك مع انعطافاته وأنا لا أكاد أرى موطئ قدمي. مع شيوع العتمة بدأت أرى خيالات من حولي، وأتوهم أن الطريق الذي أمشي كأنه مجرى مائي، والصخور الكبيرة من حولي كأنها مباني ضخمة...ثم ألمح من بعيد انعكاسات إضاءة أحد المارة على شجرة أو صخرة فأقول ها هو المعسكر قد اقترب، هذا يشبه شكل الكوخ أو الخيمة التي نصبها أحدهم بجواره. دوامة من التوهمات والخداعات البصرية وحديث النفس حتى مر بي دليل آخر ودون أن يسألني شيئا أعطى لي مصباحه فورا، والذي كان كشاف يد لكن إضاءته ضعيفة بعض الشيء. شكرته كثيرا وبدأت أتبين ملامح الطريق وأضحك على نفسي مما كان يرسمه لي ذهني من خيالات تصور الأشياء المحيطة حولي بعالم من الفانتازيا. سار معي الدليل قليلا ثم صار يسيقني حتى لقي رفيق آخر له، فانتظراني حتى لحقتهما وأعطاني رفيقه كشاف رأسه الذي كانت إضاءته أقوى بكثير وهنا شعرت وكأني كنت أعمى والآن أبصر. اتضحت معالم كل شيء بالألوان الطبيعية, والرذاذ العالق من الأمطار الذي كان يكون شبورة تحجب الرؤية مع الكشاف الضعيف صار الضوء يخترقها وبيرز كل ما وراءها. أكملنا الطريق بعد أن سبقاني حتى وصلنا أخيرا إلى هورومبوو بعد أن تبينت معالمها الحقيقة وليست الأوهام التي كنت أتخيلها من تلاعب الظلال في الظلام. ويعد هذا أطول يوم هايك أقوم به حتى الآن بعد أن استغرق 20 ساعة لمسافة 19 كيلو وارتفاع ألف متر.


بتنا ليلتننا الأخيرة في الجبل بعد تناول العشاء واستيقظنا لنحزم أمتعتنا ونودعه. بدأنا التحرك في الثامنة والنصف واستغرقنا سبع ساعات ونصف لمسافة عشرين كيلو متر حتى الوصول إلى بوابة مارانجو ومرورا باستراحة قصيرة في مندرة والعبور على فوهة بركانية من مسار بديل لم نكن قطعناه أثناء الصعود. مررنا أيضا بهضبة بعيدة قال لنا أحد الأدلة أن الأهالي يتبركون بها ويذبحون عندها الذبائح لتحقيق أمنياتهم، كما قابلنا في بداية الطريق عدة أشجار من فصيلة الشيخة تسمى السينيسيو العملاقة Dendrosenecio وهي نوع نادر ومميز لا يوجد إلا في جبلي كلمينجارو وكينيا فقط.

شجرة كيلي الأيقونية


قبل نهاية اليوم بدأت آثار الرحلة تظهر عليّ، فقد أخذت في التباطؤ بعض الشيء في آخر جزء أثناء النزول بسبب احتكاك الصندل بقدميّ ولم أعتد قطع كل هذه المسافة به مما أدى لبعض الالتهابات والبثور - فكانت فكرة سيئة التخلي عن حذاء الهايك. كما أن تأثير شمس الشتاء الحارقة كان أسرع مما توقعت، فقد اتبعت النصيحة بالفعل ودهنت وجهي أكثر من مرة يوم القمة بواقي أشعة الشمس، وارتديت النظارة السوداء لحماية العين من انعكاس الأشعة على الجليد، ولكني أغفلت دهن شفتي بزبدة الكاكاو، فتشققت شفتي السفلى وصرت مثل إبرهة الأشرم بشق ينزف دما من أي احتكاك. كما وجدت ظاهر كفيّ قد احترق جلدهما تقريبا لأني خلعت القفازات ولم أدهن الجزء المكشوف قبل تعرضه للشمس لساعات قليلة (أقل من نصف اليوم فقط بعد بداية الهبوط من القمة)، فضلا عن شعور خفيف بتنميل اليدين لفترة قصيرة قبلها بيومين دون سبب واضح وربما من تأثير الدواء. وأخيرا وجدت بعض الحبوب القليلة في رجلي اليسرى ربما من قرصة أحد الحشرات في المنطقة المكتظة بالمستنقعات. لا بأس من بعض العلامات والذكرى يا جبل، على الأقل لم أقابل مآسي أشد حدثت مع البعض.

لا تقلق يا صغيري فلن نحسدك على هذا الطعام الوفير


كانت الحافلة في انتظارنا عند البوابة لتقلنا إلى الفندق لنرتاح قليلا ثم نجتمع لحفل توزيع الشهادات والعشاء والاحتفال بعيد ميلاد صديقتنا التي أعدوا لها كيكة خاصة مرتفعة من عدة طبقات ربما تأثرا بالجبل. في الصباح شرعنا في حزم أمتعتنا، وقد قرر مجموعة منا أن يمضوا أياما إضافية في تنزانيا إما لزيارة زنجبار أو لقضاء يومين في رحلة سفاري إلى متنزه تارانجيري الوطني و محمية نجورونجورو الطبيعية، فيما يستعد الباقون للرحيل.

موسى يحي الاحتفال بعد أن أحضر كيكة عيد الميلاد

 استيقظت مبكرا لأقوم بالتسوق وابتياع الهدايا في أول موعد فتح المحلات وقبل الإفطار. وجدت على الخريطة متجرا يبعد حوالي ثلث الساعة من المشي عن الفندق. أثناء التحرك إليه احتجت لعبور الشارع، فوجدتني في حيرة من أمري من الاتجاهات كما حدث معي في الهند بسبب اتباع التصميم الإنجليزي في جعل قائد المركبة جهة اليمين. كان هناك أطفال يتوجهون إلى مدارسهم، ولاحظت أنهم يحلقون رؤسهم جميعا صبية وبنات، ربما للوقاية من الحشرات الموسمية. كما هناك سيدات يربطون رؤوسهم بمنديل لا أدري إن كان هذا حجابا وهن مسلمات أم أنه زي تقليدي خاصة أن بعضهن يرتدين ملابس بنصف كم معه. كان هناك أيضا القليل من الدراجات النارية والتكاتك مع السيارات، وكانت البلدة هادئة إلى حد كبير. اشتريت عدة أصناف من القهوة الحب والمطحونة وسريعة الذوبان التي كانت أرخصهم وأوفر من مثليتها لدينا، بالإضافة لبعض العبوات من الكاشونات/الكاجو المملح التي كانت رخيصة أيضا ولكنها ليست أوفر من مثيلتها في الهند، ولم أشأ أن أغادر البلد دون أحضر ذكرى من فاكتها المميزة فابتعت ثمرة باباز، لكن حجم الحقيبة لم يكن يكفي لجلب ثمرة أناناس أيضا. كنت أود لو تجولت أكثر في السوق الشعبي ومحلات العطارة التقليدية لكن لم يكن ليسعفني الوقت، فعدت مسرعا لأحزم ما ابتعته في الحقيبة وأتناول الإفطار قبل الرحيل.

شيتا في رحلة السافاري من تصوير برامود بعد أن استأجر عدسة خاصة ليستخدمها مع كاميرته


حين جاءت السيارة لتقلني إلى المطار، ارتبكت مرة أخرى في جهة باب الصعود وكدت أجلس مكان السائق. ودعت من بقي من الرفاق وانطلقنا وقد بدأت السماء تمطر قليلا أثناء الطريق.

إلى اللقاء

لما وصلت مبكرا وجدت وقتا للتسوق قليلا في المطار فابتعت عبوة شاي صغيرة بما بقي معي من فكة محلية من شلنات تنزانية، فقد نفد جل ما حولته وتبقى جزء من الحساب في المتجر دفعته لهم بالدولار بدلا من الذهاب للصرافة ثانية. ألقيت الوداع الأخير على تنزانيا على أمل بلقاء آخر في المستقبل ضمن جولات أوسع في القارة الأم - لعل وعسى.

Friday, June 12, 2026

لماذا لا نكتب لمن نحب قبل أن نفارقهم؟

 خالي العزيز ، لا أدري لمٓ لم أكتب لك قبل رحيلك.. هل هذا قدرنا دائما ، إلف النعمة حتى نفقدها؟


كنا في تجمع عائلي قريب وكاد أن يفلت لساني فأسأل "هو فين خالو حازم، اتأخر ليه المرة دي؟" وكأن الشهور الأربعة الماضية لم تكن كافية لأستوعب وأتقبل حقيقة غيابك.


اشتقت إليك كثيرا في رمضان ، و كلما صليت في مسجد تلاوة قارئه في التراويح مميزة، افتقدتك.. و افتقد تسابقنا في أن يدل أحدنا الآخر على مسجد جديد، أو أن نلتقي ونتسامر سويا في طريق العودة.


كلما مر بي خاطرة تدبر أثناء التلاوة ، لم أجد من أعرضها عليه. وكلما عصفت الأحداث السياسية لم أجد من أناقشه و أشاركه حماسة ترقب ما تفعله إيران بتغيير خريطة توازنات القوى بالمنطقة.


حتى المناسبات الاجتماعية، أتساءل من سيلقي خطبة قران أقرب حفيد في العائلة عند زواجه ، أو من سيكتب قصيدة شعر حلمنتيشي طريفة كما هي عادتك في كل خطوبة و زواج و سبوع؟


الفقد غير المتوقع صعب على الأهل القريبين طبعا، لكن رحيلك الخفيف السريع المفاجئ بعد أشهر قليلة من حفل المعاش أثر على الجميع، وحضورك الجميل مع كل قريب وحبيب وصديق وزميل وجار لا يمكن أن يعوض.


أود أن تعلم أن الجميع يفتقدك و يدعو لك. و رغم الحزن كانت جنازتك مبهجة من كثرة العدد في المسجد الذي تحب - جامع محمد أحمد - و أنت كنت تبتهج بالجنازات الكبيرة ووفرة الصفوف وكثرة الداعين. وقد مكثنا أمام قبرك بعدها قرابة وقت تلاوة سورة البقرة..  ريما أطول من وقت أي دفنة سابقة حضرناها.. و نتمنى أن نكون قد آنسناك وقت السؤال وقد لقنك الله حجتك وفرحك بلقائه الكريم ، و قد سعدت روحك بلقيا يمنى العزيزة التي سبقتك في الأعالي و نرجو أن يكون كافأك الله بخير الجزاء قدر صبرك الجميل على فراقها المفاجئ ، وقدر صبرك على كل ابتلاء لاقيته بثبات واحتساب ، و على عظيم برك بوالديك و شهادة تيتة و جدو رحمهما الله لك، و رعايتك لأخوتك بعدهم.


آخر حاجة لو ما تعرفش فعايز أقولك إن بسنت ربنا كرمها بالحج وكمان حلمت بيك وهي هناك وكانت فرحانة قوي.


سأظل أدعو لك مع كل إقامة وعقب كل صلاة ، ورجوت الله أن يأجرك بكل عمل صالح كنت تفرح به ولم تدركه هذا العام، خاصة رمضان، و أسأل الله أن يجعلك في أعلى عليين و أرجو أن تتذكرنا ممن يجعل الله لهم شفاعة من الصالحين في أهلهم.. و إلى لقاء بإذنه تعالى راجين أن يلحقنا جميعا في فردوسه الأعلى مع صحبة النبيين و المجاهدين والصديقين والشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.

Saturday, July 26, 2025

من أعلى قمة أفريقية - رياضات تحمل، أم تجارب تأمل؟

مر حوالي عشر سنوات منذ أن بدأت الانخراط في ممارسة ما عرفت فيما بعد أنه يسمى: رياضات التحمل؛ مثل صعود الجبال، والمشي في البرية (أو "الهايك" الذي اخترت لتعريبه "تمشاء" ولم يعجب بعضهم 😅)، و جري المسافات الطويلة، والسفر بالدراجة الهوائية.


بنهاية العام قبل الماضي وقبيل إتمامي الأربعين عاما كنت قد انضممت لركب المليون عداء سنويا الذين قطعوا مسافة الماراثون الكاملة، وانفتحت شهيتي بعدها أكثر لقطع مسافات أعلى في نطاق الألترا التي تزيد عن الخمسين كيلو متر، وبالطبع لم أصدق نفسي قبلها ولا بعدها؛ أنا الذي كنت أشاهد العدائين طفلا في دورات الألعاب الأوليمبية على أنهم أبطال خارقين لا أجرؤ على التفكير حتى في محاولة تقليدهم، وأنا الذي كنت أستصعب اقتراح صديقي أن نعود من المدرسة للمنزل مشيا لمسافة لا تزيد عن كيلو متر ونصف فقط وأعده مخبولا! فضلا عن إصابة مبكرة للروماتيزم أدت إلى عرجة بسيطة في ساقي اليمني وقتها نتيجة التهاب اللوزتين وسرعة الترسيب في الدم تعافيت منها لاحقا بفضل الله.

 بعض من الميداليات التي حصلت عليها في سباقات عدو ودراجات قبل إنجاز الماراثنون


لم أكن أخطط لكل هذا، وها أنذا أحدثكم الآن من قمة الجبل الخامس عشر أو ربما الثامن عشر - لا أدري - فقد توقفت عن العد و الإحصاء بعد الجبل العاشر تقريبا، والذي لم أكن أحلم إلا بمشاهدته فقط في البرامج الوثائقية وأتعجب من بعيد من المغامرين الذين يقطعون آلاف الأميال من أجل وصوله. فيما أجد الآن صعوبة في إجابة المتسائلين  بعد العودة من كل قمة جبل جديد أو جرية طويلة أو سفرية بالدراجة حين ينظر إلينا الكثيرون بتعجب وذهول: لم تفعلون في أنفسكم هكذا؟ من أجل ماذا كل هذه المشقة! لم لا تقضون عطلات مريحة معنا على الشاطئ؟! وهأنذا هنا لأجيبكم وأجيب نفسي السابقة المتعجبة من سؤال "لم كل هذا بحق السماء؟! من أجل ماذا تفعلون في أنفسكم هكذا؟"

العداءة سيفان حسن في لقاء صحفي عند تكريمها في ماراثون لندن وحديث صادق مع النفس 😀


هل تحبون أن أضعكم في المشهد الحالي أولا؟ أم أعود إلى الوراء قليلا أو كثيرا لأتغزل في حب رياضة التمشاء، التي بدأت بها رحلة العشر سنوات تلك قبل التشعب مع رياضات أخرى؟ والتي كل منها بالنسبة لي هي تجربة متكاملة أكثر منها رياضة. 

فتحصيل اللياقة يمثل لي وسيلة ونتيجة لغاية معايشة التجربة نفسها. فكعادتي الساخطة على كثير من ثقافة المجتمع السائدة لم يكن يستهويني قضاء العطلات بالصورة النمطية الرتيبة في فندق على شاطئ البحر وما يعدونه استجماما مملا، وكنت أود أن أجوب أماكن مختلفة و معايشة تجارب جديدة كل مرة. والتي كان من ضمنها استكشاف براري مصر والذهاب لأقاصي الأماكن في سيوة و الواحات الغربية و الصحراء الشرقية، وجذبتني حينها نداهة التوحد مع الطبيعة بكل أشكالها و ألوانها، فتعرفت على مجتمعات الهايك و الجبال، والذين بدورهم عرفوني على مجموعات الدراجات والسفر الطويل، والذي انتقلت منه بعد ذلك للعدو وجري الدروب في البرية.


حسنا كفاني استطرادا، فأنا الآن في لحظة نادرة على قمة ثلجية تحت خط الاستواء في فصل الشتاء الجاف في شهر يوليو ودرجة حرارة 10 تحت الصفر أحدثكم من أعلى قمة في أفريقيا وأولى القمم السبع، من جبل كليمنجارو العزيز في تنجانيقا - والتي هي الجزء الغربي من الاتحاد بينها و بين زنجبار - الجزيرة الشرقية والتي كانت عاصمة السلطنة العمانية سابقا - فيما يعرف الآن بدولة تنزانيا.

جبل كليمينجارو من الطائرة


وفيما كانت أعلى قمة عربية تتحدث الأمازيغية، فإن أعلى قمة أفريقية تتحدث لغة مقاربة للعربية: السواحلية والتي هي مزيج من العربية ولغات محلية لكنها تكتب بالحروف اللاتينية. وهو تأثر مفهوم فقد دخلها مبكرا الإسلام قبل بلاد المغرب عبر التجار العرب و الفرس الذين يظهر تأثيرهم حتى في اسم الجزيرة التي تعني بالفارسية "أرض الزنج"، على غرار الكثير من مسميات البلاد الأفريقية بمنظور استعماري يعتمد على اللون في عصور ما قبل الصوابية السياسية، مثل "السودان" - بلاد السود، ونيجيريا و النيجر - من نجرو أسود، و إثيوبيا - أرض الوجوه المحروقة، وغينيا - الأرض السوداء.

المهم أنني الآن على القمة حقا! بعد مسير أربعة أيام وسط أجواء متباينة من طبيعة الخلاق ما بين غابات و أمطار و سهول خضراء ودروب صخرية و ثلوج كأنك عبرت فيها ألوان الأراضين وخبرت في هاتيك الأيام الفصول الأربعة كلها  من شتاء استوائي دافئ إلى برد أوروبي قارص - ربما سأفرد تدوينة خاصة لتوثيق الرحلة كاملة لاحقا، لكن دعني أتملى من الجمال الذي يعوض كل ما أعانيه الآن من تعب و إرهاق و تسارع النفس والنبض لنقص الأكسجين و آلام في بعض المفاصل و القليل من الأعراض الأخرى التي لم تختبر بعد أقصى قدراتي على التحمل، حيث يعيدنا هذا مرة أخرى لسؤالك عزيزي، لم تفعلون في أنفسكم هكذا؟!

نذر يسير من الجمال


حسنا، فرغم كل هذه المعاناة الحقيقية، إلا أنني لا أعتبرها مجرد رياضة، ولا اختبار قوة تحمل، بقدر ما هي تجارب معايشة كاملة تجني فيها العديد من الثمار التي ربما لن تستوعبها عزيزي ما لم تخبرها بنفسك، ولكني أحاول أن أقرب لك الصورة لعلك تدرك جمال ما تعده لدينا ضربا من الجنون.



التعبد في محراب الطبيعة

عندما سئلت عن الهايك تحديدا من قبل كان ردي المباشر دون أدنى تفكير هو أن "التمشاء سنة الأنبياء" فأنت تمارس عبادة قد أمرنا الله بها "قل سيروا في الأرض فانظروا"، وكما جاء في الأثر فإن "تفكر ساعة خير من قيام ليلة"، فأني لك أن تجد لحظة خلوة تستيطع فيها معايشة عبادة التأمل وسط صخب الحياة المتسارع وضوضاء المدينة؟ حيث تتوحد مع طبيعة الخلاق وتشهد كل حبة رمل على تأملاتك وتسبيحك مع كل مسار تتخذه، سواء كان طريقا جديدا أو حتى دربا مكررا لكنه دوما متجدد مع كل مرة جديدة تقطعه فيها وتجده مختلفا كما النهر الجاري الذين لايمكن أن تنزله نفسه مرتين.


سر الخلوة

ثم إنها فرصة رائعة لتنقطع عن منغصات الحياة حقا بضعة أيام حيث تواجدك في أماكن نائية بلا شبكة ولا تواصل مع العالم الخارجي يتيح لك خلوة رائعة مع ذاتك و حديث النفس و محاولة الإجابة على الأسئلة الكبرى التي تنشغل عنها وسط التفاصيل اليومية، فتجد الكثير من المشاكل التي تعانيها تنزاح من على كاهلك من تلقاء نفسها واحدة تلو الأخرى, فتشحن طاقتك دون الحاجة للتحدث مع استشاريين ومعالجين.


المثابرة ستذهلك - stretching your limits

فضلا عن أن اختبار قدراتك يجعلك تستكشف إمكانيات ذاتك لأبعد من أي حدود وهمية قد وضعتها لنفسك، وستذهل من الطاقات الكامنة لديك التي تدفعك لتحقيق ما لم تكن تحلم به، مما يعينك ويحفزك فيما بعد على خوض معترك الحياة بروح أكثر إصرارا ومثابرة دون الاستسلام أو الإحباط السريع مع أول منغص.

فعلى سبيل المثال أذكر أن أول رحلة طويلة أقرر خوضها بالدراجة كانت من القاهرة للغردقة في ثلاثة أيام، وكنت ربما المبتدئ الوحيد في المجموعة ودراجتي ذات وزن ثقيل غير مخصصة للطرق السريعة، وبعد أول يوم بدأت بعض الآلام تتراكم في جسدي - رغم سفري مسافة مقاربة مثلها ليوم واحد قبل شهور - لكن العزيمة على الاستمرار والمواصلة كانت أقوى، فاعتاد جسمي في اليوم الثاني، لكن اليوم الثالث بدأت سرعتي تتباطأ في الربع الأخير من الطريق و أنا أرى بعضهم يتوقف وينسحب، ويحاول المنظمين معي أن أكتفي وألتحق بسيارة الدعم، ولكن طاقة الإرادة كانت قد دفعت طاقة الجسد لدي حتى وصلت لخط النهاية، في المركز الأخير بالطبع الذي اعتدت الاحتفاظ به في مرات لاحقة أيضا بكل فخر 😁


شعرة الحكمة

في المقابل فإنك تتعلم أيضا أنه ليس كل معركة يجب عليك خوضها للنهاية أيا كان الثمن، وهناك خيط رفيع بين التوسط و الحكمة وبين طرفي النقيض من التهور و الاندفاع بحماس غير مسئول أو التخاذل والانسحاب المحبط دون طرق سبل المحاولة والمثابرة.

ففي إحدى المرات كنا قد قطعنا أكثر من ثلثي المسافة للوصول لقمة جبل جديد رائع كنا متحمسين له منذ فترة، ولكن لعدة ظروف جعلتنا نبدأ في التحرك متأخرا بعض الشيء مع تباطؤ حركتنا في المنتصف انتظارا للحاق بعض الرفاق الذين أصابهم شيء من التعب، بالإضافة لكون الجزء المتبقي أصعب وسيستغرق وقتا أطول، مما سيكون مرهقا لهم مع ضيق الوقت المتبقي من النهار، حيث أنه لم يكن من الخطة أن نسير في الظلام ولا أن نخيم ونستكمل في اليوم التالي نظرا للتقلبات الجوية ولا معدات معنا لذلك، فقد كان القرار أن نودع الجبل ونستدير قافلين على وعد بلقاء آخر، مقدمين سلامة الجموع على المخاطرة في ظروف غير متوقعة ومستذكرين الحكمة الدائمة أن الكنز دوما في الرحلة أيا كان منتهاها.


حنكة الدروب - thinking fast and slow

ومن كنوز هذا النوع من الرحلات أنه يعلمك أيضا حسن التدبير واتخاذ القرارات على المدى القصير والطويل كليهما. فكما عليك في أن تتحسس موطئ قدمك عند كل خطوة في بعض أجزاء الدروب للتأكد من ثبات كل صخرة تحت قدميك، وربما يديك أيضا في الأحيان التي تحتاج فيها استخدام الأطراف الأربع، فإنه يعلمك التخطيط المسبق لمسار الرحلة كلها منذ لحظات التدريب الأولى قبلها بفترة وحتى كل قرار بالاستمرار أو العودة طوال الطريق بناءا على مدى تكيفك واستمرار جاهزيتك بدنيا ونفسيا وعدة ومؤونة طوال الطريق أو السباق، وحتى بعده فيما يأتي من تحديات أخرى تحضر نفسك لها.


ألفة المعية - support system

عندما تحدثت عن العزلة والتأمل والخلوة فم يعنِ ذلك أنك تكون وحيدا شريدا هائما في الملكوت منفردا، فهناك صحبة بالطبع و رفقة تعينك ويشد بعضها أزر بعض على وصول الغاية سويا، وهذا أجمل ما في رياضات التحمل، فهي بطبعها تعاونية لا تنافسية. فجميعنا سوف يصل، وكل منا يهمه أن يصل رفاقه معه لا أن يصل قبلهم ولا يعبأ بأن يصل أحدهم قبله. بل بالعكس الجميع يشجع الجميع، والكل يحتفي بإنجاز كل منا أيا كان حجمه صغير أو كبيرا. وهذه البيئة الداعمة من أكثر ما نحتاج أن نتعلمه في الحياة التي أهون من أن نتنافسها و أتفه من أن نتصارع عليها بدلا من أن نعين بعضنا عليها معا. 

وعلى سيرة التشجيع، أذكر أنه في بداية ممارستي لجري الدروب وجدت سباقا في محمية وادي دجلة لمسافة 16 كيلو متر، ولم أكن قد قطعت مسافة مثل هذه من قبل قط، ولكن كعادتي في إلقاء نفسي قسرا في اليم حتى أتعلم الطفو سريعا قبل أن أتيح المجال للكثير من التفكير وداء التردد، قلت لم لا واشتركت فورا. في يوم السباق بدأت بحماس المبتدئين الغر حتى وجدت معظم المتسابقين يختفون من حولي بعد ثاني كيلو تقريبا بينما أنا محافظ على معدل سرعة معتدل بالنسبة لقدراتي وقتها وأدركت حينها أنه ليس معدلا سريعا كما ظننت. وحينما شارفت الكيلو الرابع فوجئت بالعائدين في وجهي يلوحون لي بحماس، فاستوعبت أنهم أبطال العدو السريع الذين جاوزوا بالفعل أكثر من نصف المسافة ذهابا ثم التفوا وأكملوا نصف المسافة المتبقية إيابا أيضا، بينما أنا بالكاد قطعت ربع المسافة الكلية فقط. هنا بدأت تروادني الشكوك هل أقفل عائدا أم أستمر، لكني حسمت الأمر سريعا وأكملت، فهناك الكثير معي غير الأبطال هؤلاء، حتى قابلت في وجهي بعدها جدة أجنبية عمرها ضعف عمري تقريبا وقتها تحييني بتشجيع وعربية مكسرة "عاااااش، ياللا ياللا"- سأتشرف بمعرفتها لاحقا وتكون مصدر إلهام لي وللكثيرين، حيث دبت فيّ طاقة إضافية وقتها من تشجيعها فضلا عن خجلي أن أكون شابا هكذا ولا أستطيع ملاحقتها 😂 في طريق العودة لم يتبق من المتسابقين السلاحف مثلي الكثير نلوح لبعضنا كل حين، حتى صرت وحيدا لمسافة معتبرة بدأت تداهمني فيها هلاوس التعب فأقرأ مثلا لافتة الكيلو 6 على أنها 3، أو أتخيل سراب ماء في الأفق خاصة من نفاذ المياه معي، أو أسمع أصوات رفاق وهميين حولي وسط الصحراء الجرداء 😅 لكن ذهب كل هذا العناء كأن لم يكن فور اقترابي من خط النهاية وسط صيحات الحفاوة بإنجازي الرهيب وتحقيق المركز الأخير بكل فخر كالعادة 😁


تواضع الأنا - asking for help

البيئة الداعمة تكسبك فضيلة أخرى إضافية غير مساعدة الآخرين أو مشاركة الطعام والشراب والأدوات مع المجموعة أو التشجيع المعنوي المتبادل، بل أيضا تعلمك أن تطلب المساعدة بنفسك من الآخرين عند الحاجة، دون حتى الانتظار أن يعرض أحدهم عليك ذلك. فكثير ما نظن أن طلب المساعدة مناقض للاستقلالية والاعتماد على النفس وربما ينقص من كبرياء المرء, لكن الحياة في الواقع لن تسير إذا بالغت في إلقاء كل المسئوليات على كاهلك واستنكفت أن تطلب الدعم ممن يحب فعلا أن يقدمه لك إن استطاع.
أذكر أثناء رحلة نزولنا من أحد الجبال أن صادفنا مسارا شديد الانحدار، ولم تتمكن ساقي القصيرة من الوصول إلى الصخرة التالية وظللت عالقا لحظات حتى لمحني أحدهم وأرخى إلي كتفه لأتكئ عليه كسلمة وأنزل للصخرة التالية، وقد شعرت بحرج شديد حينها حيث لم أكن لأطب هذا من صديق قريب فضلا عن رفيق قد عرفته توا قبل يومين فقط. لكن الموضوع أبسط من هذا، حين تضيق بك السبل، لا تظل تدور في دوائر مغلقة مع نفسك، شارك همك مع الآخرين دون تردد وستفاجأ من كم الدعم الذي ستلقاه.


التخفف - minimalism

فائدة أخرى تكتسبها من التخييم في البرية مع الحد الأدنى من مقومات الحياة المعزولة عن الحضارة المدنية وهي مهارة التخفف، حيث سيعلمك التوحد مع الطبيعة الاعتماد على أبسط الأشياء وفضيلة الاستغناء. حيث ستكتشف أن كثيرا مما كنت تعده أساسيا في حياتك هو أمر ثانوي يمكن التعايش بدونه، وستفاجأ حين تجد أن حقيبة سفرك في الرحلة العاشرة لسفر يستغرق أسبوعا قد صارت أصغر بكثير من أمتعة أول رحلة لسفر يومين فقط. فستتخلص تدريجيا من أفكار معقدة كانت تكبلك. فلن يصدق من يعرف عني إصابتي بالوسواس القهري وهوس النظافة والإسراف الشديد في الماء أني صرت أكتفي بزجاجة صغيرة جدا في الوضوء مثلا وسط الصحراء، رغم إمكان أخذي برخصة التيمم.


صحة أفضل

أما تحصيل اللياقة فهو كما ذكرت وسيلة لغاية أكبر وهي معايشة التجربة ذاتها فتجد نفسك صرت رياضيا بالضرورة. وهذه ميزة كبرى عندما أقارن ذلك بأصدقاء كانوا رياضيين منذ سن صغيرة وحتى العشرينات، ثم لما صاروا إلى الثلاثينات والأربعينات وأخذتهم دوامة الحياة نسوا الانتظام الرياضي وعانوا مبكرا من مشاكل الكهولة والبدانة وآلام الظهر والمفاصل. أما هنا فلأن غايتك أكبر، تجد نفسك مضطرا بكل سرور للالتازام بجدول تمارين منتظم، وتستيقظ مبكرا لتجري في البرد القارص أو تتأخر بعد العمل لتمرينة ليلية في رطوبة الصيف حتى تكون مؤهلا للتحدي القادم، والذي يكون عادة أصعب مما خضته من قبل، ولكنك تقبل عليه بحماس، وكلما تحقق إنجازا تتعطش للمزيد منه بشغف وتطلع وشراهة أكبر وكأنها دائرة إدمان، لكنه إدمان حميد في تحدي ذاتك وليس تحقيق أرقام قياسية في منافسة مع آخرين.


تقدير النعم

قبل دخولي في دوامة الإدمان الحميد هذه لم أكن ألتزم بجداول تدريبات أو تمارين معينة بانتظام قبل أي تحدي، بل كنت أقفز في البحر مغمضا عيني كما ذكرت سابقا، فكان بالطبع يتراكم عليّ الآثار الجانبية بشكل أكبر بعد كل نشاط. لكن هذا ساهم في إدراك كم النعم التي يألفها المرء دون أن يشعر، وكيف يمكن لمفصل صغير أن يؤثر على حركتك كلها، أو جرية طويلة تؤثر على ذراعيك أكثر من ساقيك، أو الآلام المختلفة التي تكابدها بعد الاستيقاظ من أول راحة بعد مجهود اليوم السابق الذي لم تكن تشعر به، وتباينها بين صعوبة في المشي أو حركة معينة للجسم أو الرقبة ، أو التحول لمشية البطة رغما عنك أثناء السير 😀وغيرها من الأعراض. بل إنني أذكر بعد أول ماراثون لم أقو على حركات قيادة السيارة البسيطة مثل تحكم القدم في دواسة الوقود والمكابح. وبعد تحدي آخر كنت أبطأ من جدتي في حركة صعود السلالم التي كانت تأخذها سلمة سلمة في أواخر أيامها رحمها الله. فتستشعر مع كل هذا أطياف جديدة للحمد وشكر النعم لم تكن تدركها من قبل.


التحقق - feeling of accomplishment

ورغم أن الكنز في الرحلة حقا لا بلوغ قمة أو وصول لخط نهاية، لكن الشعور بالإنجاز له مذاق خاص أيضا، والجميل أنك تستطيع تحقيقه بصفة متكررة مع وضع أهداف صغيرة تزيد بالتدريج مع كل تجربة ومغامرة، مما يعوض بعض الشيء من إحباطات الحياة التي لا تستطيع فيها تحقيق الإنجازات التي ترنو إليها وسط ظروف ليست كلها في نطاق سيطرتك. أما هنا فأنت تتحكم في نوع التحدي ومقدار الألم والمعاناة التي ستكابدها للوصول للغاية التي تبغيها.

سيراودك مزيج أحاسيس مختلطة مع كل إنجاز، ورغم أني لست شخصا عاطفيا ولا أجيد التعبير عن المشاعر، لكني تأثرت كثيرا من مشهد شيخ إنجليزي ستيني أو سبعيني قابلته في الجبل الأخير يكسو رأسه وقار الشيب، ما إن وصل إلى القمة وجلس ليستريح حتى اغرورقت عيناه بالدموع لعدة دقائق متذكرا صديقه الحميم الذي كان من المفترض أن يرافقه في هذه الرحلة لكنه توفي قبل سنوات، وها هو الآن يوفي بعهده معه ويصر على تحقيق هذا الإنجاز ليهيديه لروحه. 🥹


روح متجددة - reflections

أما المفاجأة هي أن خط النهاية أو قمة الجبل الذي وصلته بعد شديد العناء قد لا يكون بالضرورة ممتعا أو مبهرا، ستستعد قليلا بخبر الوصول نفسه وتهنئة الجموع بعضهم بعضا، لكنك ستجد مشهدا عاديا غير مميز أو لا مشهد مطلقا حتى. و غالبا ما ستكون قد مررت على المشاهد الأكثر تميزا والطبيعة الخلابة من نباتات وخضرة وأصوات طيور وامتداد الصحاري والتشكيلات المبهرة للصخور والسحب والكثبان الرملية والثلوج وسط الطريق أكثر أو ربما عند المبيت ليلا حيث مشاهدة الأفلاك والأجرام والنجوم بلا عدد في صفحة السماء الواسعة، وحتى إن كانت القمة مميزة فقد يمنعك شدة التعب من الاستمتاع بها كما ينبغي مثلما كنت تتأمل بهدوء أثناء المسير.

ولكن هناك كنز آخر، لا على القمة، ولا أثناء طريق الذهاب ولا العودة، ولكن بعد الرجوع بقواعدك سالما إلى نهر الحياة العادية مرة أخرى، مع حديث نفس من نوع آخر، تسترجع فيه ذكريات الرحلة وأحداثها المتسارعة وتفاصيلها الدقيقة، وانعكاس التجربة ككل على ذاتك وروحك وتستشرف كيف غيرت فيك، وستنبهر بمدى تأثيرها على شخصيتك والتطور المستمر في نسخ أفضل وأنضج منك سابقا.

الأرض ملكك والسما والأنجم


وهكذا كما بدأنا بالتأمل وحديث النفس نختم به مرة أخرى، و إن كان المجال لا يسع للاستفاضة أكثر و أكثر في مزايا و جماليات و أفضليات رياضات التحمل.  أما الآن، فأخبرني يا عزيزي، هلا عزمت على خوض تجربة تأملك القادمة؟ لا تنس أن تدعوني علني أستطيع اللحاق بك!